(وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزانَ(9)
قَالَ: (وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزانَ) أَيْ لَا تُنْقِصُوا الْمَوْزُونَ.
وَالْمِيزَانُ ذَكَرَهُ اللَّه تَعَالَى ثَلَاثَ مَرَّاتٍ كُلُّ مَرَّةٍ بِمَعْنًى آخَرَ، فَالْأَوَّلُ هُوَ الآلة (وَوَضَعَ الْمِيزانَ) [الرحمن: 7] ، والثاني بمعنى المصدر (أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزانِ) [الرحمن: 8] أَيِ الْوَزْنِ، وَالثَّالِثُ لِلْمَفْعُولِ: (وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزانَ) أَيِ الْمَوْزُونَ، وَذَكَرَ الْكُلَّ بِلَفْظِ الْمِيزَانِ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ الْمِيزَانَ أَشْمَلُ لِلْفَائِدَةِ وَهُوَ كَالْقُرْآنِ ذَكَرَهُ اللَّه تَعَالَى بِمَعْنَى الْمَصْدَرِ فِي قوله تَعَالَى: (فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ) [الْقِيَامَةِ: 18] وَبِمَعْنَى الْمَقْرُوءِ فِي قَوْلِهِ: (إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ) [الْقِيَامَةِ: 17] وَبِمَعْنَى الْكِتَابِ الَّذِي فِيهِ الْمَقْرُوءُ فِي قوله تَعَالَى: (وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ) [الرَّعْدِ: 31] فكأنه آلة ومجل له، وفي قوله تَعَالَى: (آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ) [الْحِجْرِ: 87] وَفِي كَثِيرٍ مِنَ الْمَوَاضِعِ ذَكَرَ الْقُرْآنَ لِهَذَا الْكِتَابِ الْكَرِيمِ، وَبَيْنَ الْقُرْآنِ وَالْمِيزَانِ مُنَاسَبَةٌ، فَإِنَّ الْقُرْآنَ فِيهِ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَا يُوجَدُ فِي غَيْرِهِ مِنَ الْكُتُبِ، وَالْمِيزَانُ فِيهِ مِنَ العدل ما لا يُوجَدُ فِي غَيْرِهِ مِنَ الْآلَاتِ.