وإن كان غرض المعطي الشهرة والرياء والسمعة، فينبغي أن يرد عليه قصده الفاسد بردها.
وأما غرضه في الأخذ، فإن كان مستغنياً عنه لم يأخذه، وإن كان محتاجاً إليه وقد سلم من الشبهة. فالأفضل له الأخذ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - لعمر - رضي الله عنه: «خُذْهُ، وَمَا جَاءَكَ مِنْ هَذَا الْمَالِ وَأنْتَ غَيْرُ مُشْرِفٍ وَلا سَائِلٍ فَخُذْهُ، وَمَا لا فَلا تُتْبِعْهُ نَفْسَك» متفق عليه.
والله عزَّ وجلَّ جعل في المال حقوقاً، وهي نوعان:
حقوق واجبة .. وحقوق مستحبة.
فالحقوق الواجبة كالزكاة المفروضة، والنفقات الواجبة على من تلزمه.
والحقوق المستحبة، كمكافأة المهدي، والصدقات، والهدايا، وما وقى به عرضه ونحو ذلك.
فالجواد حكيم يضع العطاء مواضعه، ويتوخى بماله أداء هذه الحقوق على وجه الكمال، طيبة بذلك نفسه، راضية مؤملة للخلف في الدنيا، والثواب في العقبى.
أما المسرف المبذر فقد يصادف عطاؤه موضعه، وكثيراً لا يصادفه، فإنه يبسط يده في ماله بحكم هواه وشهوته جزافاً لا على تقدير ولا مراعاة مصلحة وإن اتفقت له.
فالأول بمنزلة من بذر حباً في أرض خصبة فأنبتت من كل زوج بهيج.
والثاني بمنزلة من بذر حبه في أرض سبخة.
والله سبحانه هو الجواد على الإطلاق، بل كل جود في العالم العلوي والسفلي بالنسبة إلى جوده أقل من قطرة في بحار الدنيا وهي من جوده.
ومع هذا فالله إنما ينزل بقدر ما يشاء، وجوده لا يناقض حكمته، ويضع عطاءه مواضعه، وإن خفي على أكثر الناس أن تلك مواضعه.
فالله أعلم حيث يجعل رسالته، وأعلم حيث يضع فضله، وأعلم حيث يضع هداه وتوفيقه وأي المحال أولى به: {وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (216) } [البقرة: 216] .
والله سبحانه هو الرزاق الذي يرزق من يشاء من عباده، ويحثه على الإنفاق في سبيل الله، فيبدأ عبده بالحض والتأليف، لا بالفرض والتكليف، ويشعره بأن الله يضاعف له أجر ما أنفق، يضاعف من رزقه الذي لا يعلم أحد حدوده، ويضاعف من رحمته التي لا يعلم أحد مداها.