الثاني: أن نفعل الأسباب المادية الممكنة، ولا نخالف أمر الله ورسوله، وإلا أصابنا ما أصاب المسلمين في أحد، حيث خالف الرماة أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ونزلوا من الجبل يجمعون الغنائم لما رأوا النصر للمسلمين، فكانت الفرقة والفشل والتنازع ثم رفع الله النصر، وكثر في المسلمين القتل كما قال سبحانه: وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ
عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (152) [آل عمران: 152] .
وفي غزوة بدر كانت الأسباب المادية في العدد والعدة قليلة، لكن الأسباب الروحية الإيمانية من صدق الاعتماد على الله، وطاعة الله ورسوله، كانت قوية فكان النصر للمسلمين.
وفي صفوف الأعداء كانت الأسباب المادية قوية وكثيرة، فالعدد كثير، والعدة كثيرة.
لكن كان اعتماد الكفار على المخلوق .. واعتماد المؤمنين على الخالق .. فغلب جند الخالق جند المخلوق كما قال سبحانه: {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (123) } [آل عمران: 123] .
وفي بدر أظهر الله قدرته .. وفي أحد أظهر الله سنته .. وفي حنين أظهر الله قدرته وسنته.
وفي بدر ظهرت قوة لا إله إلا الله .. وفي أحد ظهرت قوة محمد رسول الله، فلا بد في كل عمل من (لا إله إلا الله) أخلاصاً وتوكلاً ومن (محمد رسول الله) طاعةً واتباعاً.
وإنما حصل النصر الكامل للمسلمين في بدر، لما في قلوبهم من صفات الإيمان والتقوى، والصبر والاستعانة بالله، ودعائه والاعتماد عليه كما قال سبحانه: {بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ (125) } [آل عمران: 125] .