ولكن هؤلاء السابقين كانوا قلة بالقياس إلى الجماعة المسلمة المتزايدة العدد - وبخاصة بعد أن أصبح الإسلام قوة ترهب - حتى قبل الفتح - ودخل فيه من لم يتلق من التربية الإسلامية القسط الكافي , ولم يتنفس في الجو الإسلامي فترة طويلة . كما دخل فيه من المنافقين من آثر المصلحة أو العافية على دخل في القلوب , وتربص بالفرص , وذبذبة بين المعسكر الإسلامي والمعسكرات القوية المناوئة له في ذلك الحين . سواء معسكرات المشركين أو اليهود ! ولقد اقتضت تربية النفوس وإعدادها للدور الكوني الكبير المقدر لها في الأرض جهودا ضخمة , وصبرا طويلا , وعلاجا بطيئا , في صغار الأمور وفي كبارها . . كانت حركة بناء هائلة هذه التي قام بها الإسلام , وقام بها رسول الإسلام (صلى الله عليه وسلم) بناء النفوس التي تنهض ببناء المجتمع الإسلامي والدولة الإسلامية , وتقوم على منهج الله , تفهمه وتحققه , وتنقله إلى أطراف الأرض في صورة حية متحركة , لا في صحائف وكلمات .
ونحن نشهد في هذه السورة - وفي هذا الجزء كله - طرفا من تلك الجهود الضخمة , وطرفا من الأسلوب القرآني كذلك في بناء تلك النفوس , وفي علاج الأحداث والعادات والنزوات ; كما نشهد جانبا من الصراع الطويل بين الإسلام وخصومه المختلفين من مشركين ويهود ومنافقين .
وفي هذه السورة بصفة خاصة نشهد صورة موحية من رعاية الله للجماعة الناشئة ; وهو يصنعها على عينه , ويربيها بمنهجه , ويشعرها برعايته , ويبني في ضميرها الشعور الحي بوجوده - سبحانه - معها في أخص خصائصها , وأصغر شؤونها , وأخفى طواياها ; وحراسته لها من كيد أعدائها خفيه وظاهره ; وأخذها في حماه وكنفه , وضمها إلى لوائه وظله ; وتربية أخلاقها وعاداتها وتقاليدها تربية تليق بالجماعة التي تنضوي إلى كنف الله , وتنتسب إليه , وتؤلف حزبه في الأرض , وترفع لواءه لتعرف به في الأرض جميعا .