فهرس الكتاب

الصفحة 4 من 116

(المقدمة الثانية)

إنه من المعلوم عندنا وعندهم: أن الله - سبحانه - إنما خلق العباد ليعبدوه كما صرح في القرآن الكريم حيث يقول: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) ، ولكن لما كانت عبادة المعبود تستدعى بقدم معرفته، خلق لهم العقول ليعرفوه بها، ويوطدوا بها قواعد العبادة ومقدماتها.

فظهر من هذا التقرير ما قاله المحققون من أهل العلم بالأصول، وهو أن العقل نائب الشرع يقرر له القواعد من إثبات الصانع وتوحيده، الذي وافقنا عليه النصارى لفظا لا معنى، وحدوث العالم وجواز إرسال الرسل والدليل على صدقهم، وهو المعجز الذي به ثبتت النبوة.

فإذا ثبتت ثبت الشرع، ووجب قبول ما جاء به. ثم إن كان مما يدركه العقل فلله الحمد. ولو كان مما لا يدركه - وهو المسمى في عرف فقهاء الإسلام: تعبدًا - وجب تسليمه، وتقيد الشارع فيه، وبثبوت الشرع ينعزل العقل كلما ينعزل بقدوم السلطان من سفره، من كان استنابه موضعه في بلده.

وسر هذه المقدمة: ما قررته في"القواعد الصغرى"وهو: أن العبادات والتكاليف مستلزمة للمشقة على أهل التكاليف. لكن المشقة تارة تكون عملية كما في الصلاة والصيام والحج والجهاد، وتارة علمية كما في الإيمان بالغيب. وهو كلما غاب عن العيان كالله - سبحانه -

وأحكام الآخرة. وهذا أشق التكليفين. ولهذا بدأ الله - سبحانه وتعالى - به في وصف المؤمنين حيث قال: (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ) فالأول تكليف علمي.

والثاني: عملي.

وكذلك قوله: (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ) ولذلك المسيح وغيره من الأنبياء إنما بدأوا بدعاء الناس إلى الإيمان بهم، وأنهم من عَند اللّه.

ووجه المشقة في الإيمان بالغيب: هو أن النفس الناطقة مطبوعة مفطورة على حب إدراك الأمور بحقائقها، وإذا رأت ما لا تدرك حقيقته تألمت واضطربت، كما يشاهد كل عاقل من غيره، ويجده من نفسه، حتى في أيسر الأشياء. ولهذا يحدث للنفس العجب، وهو عرض يلحقها لخفاء سبب الأمر الحادث، فإذا ظهر لها سبب الأمر بطل العجب، واستراحت.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت