قال:"وفي سورة البقرة: (نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ) "
قال في التفسير: يعني من أي وجه شئتم مقبلة ومدبرة"قال:"وهذا تعليم يستنكف منه البهائم، فضلا عن أن الله يعلمه خلقه"."
قلت: هذا غباوة وعناد. فإن لهذه الآية أسبابا تقتضي ما تضمنته من الحكم:
أولها: أن اليهود كانت تقول: إذا جامع الرجل زوجته من دبرها في قبلها جاء الولد أحول، فبين الله تعالى بهذه الآية أن لا أثر لذلك، بل للرجل أن يأتي امرأته مقبلة ومدبرة بشرط أن يكون في القبل.
الثاني: أن المهاجرين كانوا يحبون نساءهم، يعني يأتونهن مدبرات في القبل فلما جاءوا المدينة جعلوا يفعلون ذلك بأزواجهم من الأنصار.
ولم يكن لهن به عادة فأخبرن بذلك النبي عليه السلام، ووقع فيه الكلام، فبين الله حكمه.
الثالث: ما روي ابن عباس قال: جاء عمر، فقال يا رسول الله هلكت، قال:"ما أهلكك"؟
قال: حولت رحلي الليلة فأنزل الله هذه الليلة: (فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ) أقبل وأدبر، واتق الدبر والحيضة. رواه الترمذي والنسائي.
وحينئذ نقول: ما المحذور في أن الله - سبحانه - بين له في كيفية الوطء ما ينبغي، مما لا ينبغي؟ وإنما استقبح هذا الخصم هذا بناء على رأيه الفاسد في أن اللذة ليست مقصودة لذاتها من الجماع، وقد تقدم منعه، وما جعل النساء إلا للمتعة.
على أن النسائي قد روى في سننه الكثير عن ابن عمر: أن رجلًا أتى امرأته في دبرها على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - فوجد النبي - صلى الله عليه وسلم - لذلك وجدًا شديدا.
فأنزل اللّه - سبحانه: (فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ) ويجنح بهذا من أجاز وطء المرأة في دبرها، ويعزى إلى مذهب مالك وأهل الحجاز، وهذا أشد وأغلظ على النصارى (1) .
(1) كان يجب على المؤلف أن يقول: وهذا من عبارة الفقهاء. . بدل وهذا أشد وأغلظ على النصارى. لأن الآية لا تشير إلى إتيان المرأة من الدبر.
قال مالك لابن وهب وعلى بن ريادة لما أخبراه أن ناسا بمصر يتحدثون عنه أنه يجيز ذلك، فنفر من ذلك وبادر إلى تكذيب الناقل، فقال: كذبوا عليَّ، كذبوا عليَّ، كذبوا عليَّ. ثم قال: ألستم قوما عربا؟ ألم يقل اللّه تعالى: (نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ) وهل يكون الحرث إلا في موضع المنبت؟
وقيل لابن عمر: ما تقول في الجواري حين أحمض بهنْ؟ - والتحميض هو أن يأتي الرجل المرأة في غير مأتاها الذي يكون موضع الولد - قال: وما التحميض؟ فذكر له الدبر. فقال: هل يفعل ذلك أحد من المسلمين؟