قال:"ومن هذه الأوصاف الواردة في حق الله تعالى عنها ما جاء في سورة البقرة: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ(6) خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ) الآية."
وفي سورة النساء: (أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ) الآية.
وفي الإسراء: (وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ) .
وقال: (وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ) وقال: (كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ)
والقرآن مصرح في مواضع كثيرة غير هذه بأن أفعال الخلق خيرها وشرها هي بإرادة الله وخلقه، لا بإرادة الخلق وفعلهم.
ثم ذكر أحاديث القدر من الصحيحين، وهي مشهورة.
ثم قال:"فثبت بهذه الأحاديث ما ثبت بالآيات المذكورة آنفا: من أن اللّه سبحانه خالق جميع أفعال العباد من الخير والشر، كالقتل والكذب والربا وغير ذلك، وهو الذي يعاقب ويثيب."
وهذا مذهب أهل سنة الإسلام.
وحجتهم عليه: ما أوردناه من الآيات والأحاديث.
وإذا تبين لهم فساد هذا المذهب وشناعته، وأن هذا الذي يصفون به اللّه لا يوصف به إلا الشيطان لجأوا إلى التمسك بهذه الآية:
(لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ) .
قال:"والدليل على فساد هذا المذهب الحجة: فمن وجهين:"
أحدهما: ما تقرر في المعقول من أن مريد الخير خيّر، ومريد الشر شرير ومريد العدل عادل، ومريد الظلم ظالم، فلو كان الله سبحانه مريدا للشر والظلم لكان موصوفا بالخيرية والشرية، والعدل والظلم وذلك محال. وشنع في حق اللّه تعالى.
الوجه الثاني: أن كل من أمر بشيء فهو مريده، فيستحيل من الله تعالى أن يأمر عبده بالطاعة ثم لا يريدها.
والجمع بين اقتضاء الطاعة وطلبها بالأمر بها، وبين كراهة وقوعها جمع
بين نقيضين. وذلك بمثابة الأمر بالشيء والنهي عنه في حالة واحدة"."
هذا تلخيص حجته. ثم ذكر كلاما بعده يرجع إليه.
وأما التنزيل: وهو الوجه الثاني - فقول اللّه في التوراة لقابيل:"إن أحسنت جوزيت، وإن أسأت سيطلع على إساءتك لأنك مالك إرادتك، وأنت مسلط عليها بالاختيار".
وقول داود النبي في المزمور:"روحي في يدي أبدًا"يعني بحسب قدرتي.
وقول سليمان: إن الله صنع الإنسان مستقيما"يعني بإرادته المخصوصة."
ثم ضرب مثلًا، وهو"من أوثق إنسانا؟ شدًا وكتافا، ثم ألقاه من جبل. وقال له في حال هويه: إن لم تقف أو ترجع إليَّ، وإلا فعلت بك وفعلت، فهذا سفه وحمق، وتكليف ما لا يطاق."
وحكى قول الزمخشري في الكشاف:"إن كان اللّه ينهى عن الذنب، ثم يلجئ إليه ويعاقب عليه، فأنا أول من يقول: إنه شيطان وليس بإله."
هذا تلخيص ما ذكره في هذا السؤال من غير إخلال.