فهرس الكتاب

الصفحة 6 من 116

(المقدمة الثالثة)

إن الأحكام العقلية على وزن الأحكام الحسية. ولهذا إذا أشكل على العقلاء أمر عقلي، ضربوا له مثالا حسيا ليتصور لهم. وصور ذلك كثيرة جدًا في سائر العلوم، يعرف ذلك من له أدنى نظر في العلم.

وإذا عرفت ذلك. فاعلم أن الأدلة الشرعية لها مراتب مختلفة بحسب اختلاف مدلولاتها.

فيثبت ببعضها فروع الشريعة دون أصولها، كالخبر المستفيض، وخبر الواحد، والقياس الظني، والاستحسان، والاستصحاب، وقول الصحابي ونحوه. ولا تثبت أصول الشريعة إلا بقاطع كالبديهيات والنظريات والمتواترات ونحوها.

ووزانه من المحسوسات البناء. فإنه يحتاط لأسه بتخير الآلة الجيدة القوية الثابتة ما لا يحتاط لحشوه وأعلاه، لأن ثبوت أعلاه بأسِّه.

وفائدة هذه المقدمة: أن يستند إليها في أن كل ما أورده علينا من الأخبار التي حقها أن لا تثبت بمثلها الأصول، لا ترد علينا، ولا تلزمنا. لأن تلك أخبار توجب العلم دون العمل، لكونها مظنونة الثبوت. وإن كانت في البخاري ومسلم، لاحتمال وقوع علة قادحة في طريقها، فلا تقوى على إثبات أصل، ولا على أن يقدح بها في أصل، خصوصا وقد دخلها تصرف

الرواة في الرواية بالمعنى. وقد أورث ذلك إشكالا عظيما في أحكام الفروع، واختلافا جما بين أهل العلم.

فنقول في مثل تلك الأحاديث: هذه لا نثبت بها أصلًا، ولا ترد علينا نقصا.

وإذا فهمت مقاصد هذه المقدمات، يتيسر عليك الجواب، فإن ما أورده هذا الخصم، إن كان من كتبهم كالتوراة والإنجيل ونحوها: منعنا كون ذلك حجة، بما قررناه في المقدمة الأولى.

ثم قد نسلمه على جهة التنزل، ونجيب عنه بالتزام أو فساد بوجه ما. وإن كان من كتبنا، فإن كان مما يقصر العقل عن فهمه أجبنا عنه بما حكى هو عن"أرسطو"كما تقرر في المقدمة الثانية، وإن كان مما يصل العقل إلى فهمه أجبنا عنه، إما بأنه مما لا يثبت بمثله أصل. بناء على ما قرر في المقدمة الثالثة، أو بتوجهه - وهو يسير - بطريق من طرق الأجوبة الجدلية.

والذكي الفطن إذا اقتصر في جواب كتاب هذا النصراني كله على هذه المقدمات، كفاه ذلك. مع أني لا أقتصر عليه، بل سأجيب عن كل منه بما أمكن مفصلا، إن شاء الله تعالى.

وما كان في عبارته من تطويل لخصته مع الإتيان بكمال المعنى، وأعرضت عن مكافأته على سوء أدبه على النبي - صلى الله عليه وسلم - بمثله، لا إكراما له، بل هوانا بقدره ومحله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت