فهرس الكتاب

الصفحة 20 من 116

{وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ(23)}

قال:"فإن قلت: إعجاز من جهة أنه لم يعارضه أحد من الناس ولم يأت بسورة من مثله."

قلنا: إن محمدًا لم يقل للناس في قرآنه: (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ) وقوله: (فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ) إلا بعد أن تأسست رياسته، وظهر سلطانه. فمن كان يقدم على معارضته وأسيافه تقطر دماء لذلك لما شرع النضر ابن الحرث في معارضته أنهض إليه على بن أبي طالب فقتلة شر قتله.

وأما بعد موته فالحمية عنه عظيمة تسوق ملوك المسلمين لا يقدم أحد معها على ذلك، وقد عارضه أبو العلاء المعري، والعبسي بعد موته عارضه، ومن معارضته له:"إنا أعطيناك الجماهر، فصل لربك وهاجر، ولا تطع كل كافر وساحر"

ولأجل ذلك صلب على العود. وقيل له، وهو في الصلب:"إنا أعطيناك العمود، فصل لربك على العود، وأنا ضامن عنك أن لا تعود".

قلت: الجواب عن هذا.

أما قوله:"إن محمدًا لم يتحد الناس بالقرآن إلا بعد تأسيس رياسته، فلم يقدم أحد على معارضته"فهو كذب وافتراء، بل هذه سورة البقرة من أوائل ما نزل من القرآن، وفي أولها: (وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ) إلى قوله: (فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا) وتلا"حم"السجدة. على"عتبة بن ربيعة"حتى بلغ قوله: (فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ) فقال له: حسبك يا ابن أخي. نشدتك الله والرحم إلا سكت، ثم رجع إلى أصحابه، وكانوا بعثوه إليه. ليستنزله عما يقول. فقالوا: نقسم بالله. لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي فارقكم به، وكان ذلك انبهارًا منه بالقرآن، وخشية أن تأخذه الصاعقة.

وسمعه الوليد بن المغيرة يقرأ: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ) الآية.

فقال فيه ما قدمنا ذكره. وقال: وما هو قول بشر، وكلهم كانوا يعرفون عجزهم عن مثله. وهو بينهم وحيد مستضعف، حتى أنهم أخرجوه إلى الطائف، ثم عاد فاستجار بـ"المطعم بن عدي"حتى بلغ

القرآن، وكان يقول:"من يمنعني من قريش. فإنهم قد منعوني أن أبلغ كلام ربي"؟

فلو أمكنهم معارضته ما كان لهم منه مانع ثم سلمنا أنه لم يتحد به إلا بعد ظهور سلطانه.

فقد كانت طوائف العرب كثيرة، وأكاسرة الفرس، وقياصرة الروم موجودين فقد كان لمن له قوة المعارضة أن يأوي إلى منعه منهم، ثم يعارضه فإذا أتى بمثله بطل كونه معجزًا، ثم كان من تابعه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت