يتخلى عنه، ومن خالفه يشتد عليه حتى يؤول أمره إلى الانحلال والاضمحلال، كما آل أمر"مسيلمة الكذاب، و"الأسود العنسي""
و"طليحة الأسدي"والأنبياء الكذبة من بني إسرائيل.
وما رأينا كذلك. بل لم يزل الناس يدخلون في دينه حتى طبق المشرق والمغرب.
وأما قوله:"قتل النضر بن الحرث، حيث ضرع في معارضته"فليس بصحيح أيضا، بل إنما قتله بعد أن أسره يوم بدر في جملة الكفار، ولا شك أنه كان يرد على الفرس في بلادهم فحفظ شيئا من أخبار"رستم"و"اسفنديار"فكان يقول لقريش: أنا أحدثكم كما يحدثكم به محمد، ويحدثهم بذلك، وهو في عزة ومنعة من أهله بمكة قبل بدر بحين، ومحمد بينهم مستضعف فلو كان ما عنده مما يصلح معارضا لاستفاض واشتهر، وملأ البدو والحضر، ومع هذا فإنه أساء إلى النبي غير ذلك كثيرًا، ثم لما قتله وسمع ما قالت أخته"قتيلة بنت الحرث"
فى مرثيته واستعطاف النبي عليه.
قال:"لو سمعت شعرها قبل أن أقتله لما قتلته".
وأما حماية ملوك المسلمين عنه، فلا تمنع من معارضته المعارضين لجوار أن يعارضوه سرا، ثم يموتوا فتظهر معارضتهم كما ظهرت معارضات المعري والمتنبي وغيرهم من الزنادقة، بل هذا الخصم بعينه صنف هذا الكتاب في الطعن على الإسلام مستخفيا، ثم إنه على طول الأيام ظهر ونوقض، وليس عند أحد من رؤساء الإسلام منه خبر حتى الآن.
وهذا الكلام يحققه قول المسيح في الإنجيل:"ما من مكتوم إلا سيظهر ولا خفي إلا سيعلن".
وأما معارضة المعري وأضرابه من الزنادقة، فهي ركيكه تشبه لحاهم.
ولو كانت مساوية للقرآن في صفاته لظهر لها عصابة من المسلمين ينصرونها.
ثم اختلفت كلمة الإسلام، كما أن مناقب أبي بكر وعلي لما كانا متساويين أو متقاربين اختلفت الأمة فيهما على قولين: أيهما أفضل؟ وفضائل مروان بن الحكم ومعاوية وعمرو ابن العاص، بل سلمان، وعمار، بل غالب الصحابة. لما لم تقارب مناقب هذين الرجلين لم تختلف الأمة فيهم فكما أنه ليس كل فضيلة توجب النزاع في صاحبها وغيره.
كذلك كل معارض لا يصلح أن يكون معارضا مفرقا للناس.
وأيضا: فإن كل من عارض القرآن إنما سرق بعض ألفاظه، وتابع أسلوبه فلم يلحق به لأنه مادته، كما أن التلاميذ لما كانت مادتهم في التأييد من جهة المسيح لم يفضلهم أحد عليه، ولم يسرهم به، وأما"العبسي"الذي صلب على العود فلا أحقق لفظه لأنه مشتبه الصورة في الكتاب الذي نقلت منه.