وأما قوله:"الحاسة التي هي عار علينا، كما ذكر"أرسطو"ولا سيما قذارة النكاح منها."
فنقول أولًا لهذا المصنف النصراني: أنت قد قدمت في فوائد النبوة: أن مقاصدها، لا تحصل بمجرد الفلسفة. فكيف جعلت قول الفلاسفة كموسى بن عبيد الله وأرسطو حجة في تقبيح حاسة النكاح؟ هذا تهافت لا يسمع، ثم نقول لهذا الفيلسوف: حاسة النكاح عار، على من؟ عليك؟ أو على الأنبياء ومن تابعهم؟
إن قلت: عليك قلنا عندك أو عندهم؟
إن قلت: عندك. فأنت لا عند لك: بل أنت من أعداء أهل الشرائع.
ومن أول عداوتك لهم وطعنك عليهم، تقبيحك عليهم شيئا، أجمعوا على جوازه، منذ أهبط آدم إلى الآن، وأنت قد اعترفت
بصحة نبوتهم وعقولهم. فأحد الأمرين لازم. إما فساد عقلك في إنكارك عليهم التشاغل بالنكاح، أو فساد عقلك في اعترافك بصحة نبوتهم، وكمال عقولهم.
ويقال كأرسطو: ألست القائل آنفا: إن حال عقولنا عند النظر إلى المتأذي كحالة الخفاش عند النظر إلى الشمس. فمن أين لك: أن عقلك لم يقصر عن إدراك حكمة الباري - سبحانه - في إباحة النكاح للأنبياء - عليهم السلام -؟ وهل هذا إلا تهافت؟.
وإن قلت: عند الأنبياء، فهذا كذب عليهم. فإن الأنبياء أجمعوا على حسنه وحكمة اللّه فيه، من تكثير العِبَاد والعُبَّاد وعمارة الأرض، ودوام العالم، وبقاء النوع الإنسانى، الذي أجمعت الحكماء على أنه خلاصة الوجود وتنوع أنواعه، وإان قلت على الأنبياء - عليهم السلام - فأنت قد اعترفت بكمالهم"والإقدام على العار، ينافي الكمال، فهذا تهافت منك بكل حال."
وأما ما ذكر من قذارة النكاح:
لا نسلم أن فيه قذارة بل فيه مصالح.
منها: سرور النفس به، وانشراحها للعبادة، ولعل بدونه لا ينشرح لذلك.
ومنها: تحصين الفرج عن الزنا المحرم، بإجماع أهل الملل والعقول.
ومنها: تحليل فضلات البدن المحتقنة فيه، وإنعاش الحار الغريزي به، فيخف بذلك البدن وينشط. ولهذا بعض الناس يمرض بتركه ويكثر في بدنه الجراحات والدماميل ونحوها.
ومنها: أن يحسن الخُلق، ويبسط بشرة الوجه.
وقد قص"جالينوس"على أن سبب سوء خلق الخصيان، وتعبيس وجوههم وانتهارهم لمن كلمهم: بترك الجماع، لاحتباس الماء، وتعفنه في أبدانهم ولئن سلمنا أن فيه قذارة فالجواب من وجهين: