قلت: فهذا يعقوب قد فهم أن تأويل رؤيا يوسف: سجود إخوته وأبويه له.
وقد ثبت أن الرؤيا صحت، فكذا تأويلها، خصوصا والرؤيا رؤيا نبي، والتأويل تأويل نبي ورؤيا الأنبياء وحي، وتأويلهم إلهام.
وأيضا: فإن في التوراة أن يوسف رأى رؤيا أخرى وهي أنه رأى أنه وإخوته جمعوا حزما في المزرعة، وقد قامت حزمته، وجاءت حزم إخوته. فسجدت لها. وهذا يدل على سجدوهم له، لما التقوا، لأن الرؤيتين دلتا على حلم واحد، وهو السجود.
الرابع: أنه يجوز حمل ما في القرآن على أن قوله"ورفع أبويه على العرش"جملة.
وقوله"وخروا"جملة مختص ضميرها بإخوة يوسف، لم يتناول أبويه، فيكون ذلك موافقا لرؤيا الحزم، فإنها إنما تضمنت ما يدل على سجود الإخوة فقط دون أبويه، ويصير هذا قريبا جدًا؛ لأن إخوته سجدوا له قبل ذلك مرتين بنص التوراة، وهذه تكون ثالثة ووقتها أولى بالسجود من غيره - على ما سبق -.
وإنما ترك ذكره في التوراة اكتفاء عنه بالمرتين الأوليين وتبيينها عليه بطريق الأولى.
قلت: وفي ورود القرآن برؤيا النجوم دون رؤيا الحزم أقوى دليل على صدق محمد - صلى الله عليه وسلم - وأن القرآن وحي من الله، وأنه إنما أخبر بما أوحى إليه، وإلا فلو كان ينتقل ذلك من كتب الأولين لتتبعها ولظفر برؤيا الحزم، ولذكرها خشية أن يطعن عليه بالنقص والزيادة فاعلم ذلك.