أحدهما: أن قذارته شرعية أو طبيعية؟
إن قلت: شرعية. فهو ممنوع. فإن الذي يصلح أن يضاف إليه الاستقذار في الجماع هو: المنيُّ، والمذي، ورطوبة فرج المرأة. وهذه الأشياء طاهرة
عند كثير من أهل الشرع.
ومن قال بنجاستهما منهم عفى عن يسيرها دفعا للحرج والمشقة.
فأما مخرج البول والغائط فلا وطء فيه والحيض يحرم الوطء في زمنه.
فأين القذارة إذن في الجماع؟
وإن قلت: طبيعية لم يلزم من ذلك وجوب اجتنابها عقلًا، ولا شرعا، لأن هذه الأشياء كالبصاق، وبلغم المعدة والرأس والمخاط وعرق الحمى. بل مطلق العرق. فإن هذه كلها فضلات تحللها الحرارة من البدن، وهي تورثه خفة ونشاطا وصحة، ومعتمد العلاج الطبي بتنقية البدن من المواد التي ليس من شأنها أن تكون فيه.
الثاني: سلمنا أن فيه قذارة بكل حال. لكن مفسدة تلك القذارة مغمورة بما فيه من المصالح العظيمة الدنيوية والأخروية.
والعقول الصحيحة لا ترجح إعدام مفسدة واحدة حقيقة.
خصوصا. وقد باشرها الأنبياء والصديقون أجمعون، إلا من شذ منهم على وجود مصالح كثيرة جمة النفع.
ثم أين قذارة الجماع من قذارة الغائط؟ الذي يتعبد مخاييس النصارى ببقائه على أبدانهم، حتى تغالى فيه النصارى، فجعلوا يتهادونه ويتبركون ويستسقون به من الأمراض، بناء منهم على فهمهم الفاسد لكلام المسيح في الفصل الثامن والعشرين من إنجيل متى حيث يقول:"ليس النجس ما دخل الفم ثم خرج مستحيلًا من المخرج. إنما النجس ما خرج من الفم من الكلام"
السيئ، لأنه يدل على نجاسة القلب"هذا معنى كلامه."
ومن أنكر من النصارى أنهم يتعبدون ببقاء العذرة على أبدانهم فهو مستخف منكر لما يعلم.
-كما ينكر بعض فقهاء المسلمين تجويز الوطء في الدبر - وهو منصوص في كتبهم وعن أئمتهم.
وأما قوله:"ولذلك فضح الله بهما كل مدع"فنقول في جوابه: لا نسلم أن الله فضح المدعين بحاسة النكاح، وإنما فضحهم بدعواهم الكلام. ولو كانت حاسة النكاح تقتضي الفضيحة لافتضح بها الأنبياء كلهم، بل جميع الخلق كآدم ونوح وإبراهيم، وخصوصا إسرائيل وداود وسليمان فإنهم كانوا كثيري النساء والسراري وكثرة تشاغل إبراهيم وبنيه بالجماع هو الذي أوجب كثرة نسلهم وانتشار الشعوب منهم، لأن الجماع سبب النسل، وكثرة المسبب يدل على كثرة السبب.
وبالجملة: فمن جعل حاسة النكاح عارا. فقد ألحق العار بسائر الأنبياء والصديقين والصالحين وعباد الله أجمعين. وإن عارا بتلبس إبليس. هؤلاء كلهم ليس بعار:
وعيروني بذلي في محبتها ... والذي عيروني تم لي الشرف