قلت: والذي أوجب لهذا النصراني تقديم هذا الكلام، وتقبيح حاسة النكاح هو كونه رأى المسيح لا داعي له إليها، ورأى محمدًا - صلى الله عليه وسلم - شديد الداعي إلى ذلك. كما نقل عنه حيث يقول:"حبب إليَّ من الدنيا ثلاث: الطيب، والنساء، وجعلت قرة عيني في الصلاة"، وأنه تزوج كثيرًا وتسرى، فأراد العلج أن يجعل هذا مطعنا عليه.
ولقد تاه عن الصواب. فإن نكاح النساء هو عين الطهارة، لما فيه من تحصين الدين، والإعانة على تقوى رب العالمين، ولهذا كان محمد - صلى الله عليه وسلم - إذا رأى امرأة أعجبته دخل على بعض نسائه يقضي حاجته منها، ثم خرج.
وفعل ذلك يوما ثم خرج على أصحابه، فقال:"إن المرأة إذا أقبلت أقبل معها شيطان يزينها فإذا رأى أحدكم امرأة فأعجبته فليأت أهله، فإن معها مثل الذي معها".
وقال:"إذا كانت لأحدكم إلى امرأته حاجة فليأتها، وإن كانت على التنور"
كل ذلك محافظة على حفظ الدين، لئلا يغلب الإنسان عليه بداعي الشيطان والهوى.
كما حكى في التوراة: أن"يهوذا بن يعقوب"تعرضت له كنته - زوجة ابنه - في الطريق في صورة زانية، فواقعها على أن يعطيها جديا ورهنها عليه عمامته وقضيبا كان بيده.
وأن روبيل، وطئ سرية أبيه يعقوب ونجس فراشه. ونحن لا نقول بصحة هذا ولكنه حجة على النصارى واليهود، وتحقيق ذلك وتلخيصه: أن شهوة النكاح في الإنسان طبيعية كشهوة الأكل والشرب، وحب الغلبة والرئاسة، بل هي أشد الشهوات. ولذلك كان أكثر افتتان العالم بها، فقضاؤها وأمن عائلتها بالطريق الحلال المصطلح عليه في النواميس الإلهية أولى في العقل
من التعرض وتركها لمعصية الرحمن وطاعة الشيطان.
وقول محمد - عليه السلام: حبب إلي من دنياكم النساء، ليس ذلك لغلبة شهوته عقله، كيف ذلك وسيرته: سيرته. لمن تأملها، وثباته: ثباته. بل إنما مقصود ذلك: أن يتفرغ خاطره التفرغ الكلي لأداء الرسالة، والقيام بأعبائها - كما يتفرغ الجائع بالأكل - لأداء العبادات.
وقد ورد في السنة النبوية الصحيحة عن يوشع بن نون. أنه لما توجه إلى بعض مغازيه، أحسبها: غزاة أريحا، مدينة الجباربن - قال لقومه:"لا ينبغي رجل قد ملك بضع امرأة يريد أن يبني بها"