فهرس الكتاب

الصفحة 16 من 116

والجواب من وجوه:

أحدها: أن هذا الخصم بصدد القدح في النبوة. وإيرادك هذا السؤال لا يحصل لك المقصود، لأنه ليس كل طوائف المسلمين يقولون بهذه المقالة.

فإن نظرت في هذا معتزليا لخالفك في الإسلام ووافقك في القول بالقدر فانقطعت في

هذا المقام. وأنا الذي قد تصديت لمناقضتك لو التزمت مذهب القدرية في هذا، لشاع لي في حكم النظر، لأن البحث بين مسلم ونصراني لا بين قدري وسني.

الوجة الثاني: أن هذه مسألة من فروع الشريعة تثبت بثبوت أصلها، وتنتفي بانتفائها، فهي تابع لا مقصود، فيغنيك عنها القدح في أصل الدين ولا يثبت لك. وإنما ذكرك لمسألة القدر في هذا المقام كمن يقدح في دين النصرانية بفتح التعميد، وبناء المديح، وتقريب القربان، فإنك أنت كنت تقول له: تكلم فيما هو فوق هذا. ثم انزل إليه.

الوجة الثالث: أما الآيات والأحاديث فصحيحة. ونحن نقول بها على وجه نقرره، وهو

أن المسلمين أجمعوا على أن القرآن حق وصدق، وأن بعضه يوافق بعضا، فما أوهم منه التعارض تلطفوا للجميع بينه بما أمكن من الأسباب الجائزة.

ثم إنهم رأوا الآيات المتضمنة لأفعال العباد موهمة للتعارض. تارة تضاف الأفعال فيها إلى اللّه، نحو (وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ) وقوله: (اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ) ، (وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ)

وأصله: الله على علم ونحوها.

وتارة تضاف إلى العباد نحو: (فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا) ، (جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) ، (هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ) ؟

ونحوها. وهي من الطرفين كثيرة. ففي هذا المقام انقسم المسلمون إلى ثلاث فرق، فرقة قالت بمقتضى القسم الأول، وألغت الثاني وهم الجبرية.

زعموا أن الله موجد أفعال خلقه استقلالا، والعباد في وقوعها على جوارحهم مضطرون إليها، كاضطرار السعفة إلى الحركة في الريح العاصف، وسلبوهم الاختيار.

وفرقة قالت بمقتضى القسم الثاني وهم القدرية: زعموا: أن العباد موجدون لأفعالهم استقلالا، وأن الله لا تعلق له بها بخلق ولا إرادة.

وفرقة توسطت الطرفين المنحرفين، وقالت بمقتضى القسمين. فنسبوا الأفعال إلى الله إرادة وخلقا، وإلى العباد اجتراحا وكسبا، وفسروا الكسب بأنه أثر القدرة القديمة في محل القدرة الحادثة، وساعدهم على ذلك ظواهر نصوص الكتاب والسنة من الطرفين.

وورد على كل واحدة من الفرقتين الأوليين ما قالت به الأخرى.

فاحتاجت إلى تأويله، والتعسف في تبطيله، فلزم الجبرية التجوير، والقدرية تعجيز القدير، والإشراك معه في آثار المقادير. ولهذا سموا مجوس الأمة، تشبها بالمجوس القائلين بخالقَين.

إذا عرفت هذا فنقول: إنا إذا اشتققنا اسم فاعل من فعل أو صفة نحو شرير وظالم وضارب وقاتل، فتارة يراد به موجد ذلك الفعل وخالقه وعلة وجوده، وتارة يراد به كاسبه وسببه. فقولك:"لو كان الله مريدا للشر، والظلم لكان شريرا ظالما"إن عنيت بالشرير والظالم كاسب الشر، ومسببه فلا نسلم، إنما ذاك الآدمي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت