وإن عنيت خالقه فهو صحيح، لكن يكون في إطلاق الشرير عليه إساءة أدب. إذ لم ترد الشرائع بإطلاق مثل هذا عليه.
والأشهر عندنا: أن أسماء الله توقيفية لا قياسية وبهذا التفصيل يندفع ما ذكرته من المحال والتشنيع.
وأما قولك:"كل من أمر بشيء فهو مريد له"فممنوع. فإن هذا محل وهم، ومزلة قدم وذاك لأن الإرادة تستعمل تارة بمعنى الطلب، وتارة بمعنى رجوح وجود الممكن في نفس المرجح.
فالأول ترجيح طلبي بمعنى الأمر، والثانى ترجيح وجودي، وهو موضوع الإرادة في الأصل.
وأحد الأمرين يشتبه بالآخر، لأن الأول أثر الثاني، فإنه إنما يصدر الطلب غالبا بعد رجحان الوجود في النفس، وحينئذ نقول: ما تعني بقولك"كل من أمر بشيء فهو مريد له؟"
الإرادة الطلبية أو الوجود به، الأول مسلم. لكن هذا يصير كقولك"كل من أمر بشيء فهو أمر به"لأن الإنسان قد يقول لصاحبه أو لعبده: أطلب منك، أو آمرك أن تفعل كذا. وأريد منك أن تفعل كذا بمعنى.
والثاني ممنوع، فلا يصلح قولك: كل من أمر بشيء فهو مريد له، أي مرجح لوجوده.
وقد ضرب الأصوليون لهذا مثلًا، وهو: من أمر عبده بما لا يريده منه تمهيدا لعذره عند من لامه على ضربه. فإن هذا جائز عقلًا.
وفيه حكمة مقصودة، فجاز أن يكون للّه سبحانه في الأمر بالشيء، وعدم إرادته حكمة، وإن لم ندركها.
وقد ذكر"بقطينوس الحكيم"- وهو من فضلاء النصارى وعلمائهم - من شأن الله سبحانه مع ملائكته ما إن صح، صلح أن يكون حكمة لهذا.
وقد أشرت إليه في التعليق على الإنجيل.
ولا يسهل علي الآن ذكره.
وحينئذ لا يلزم التناقض بين اقتضاء الطاعة وطلبها وبين كراهة فعلها لأن اقتصاءها خطابي وكراهتها نفسية.
وقد يوجد هذا من البخلاء كثيرًا حيث يقول أحدهم لصاحبه: إذن فكل معي يحمده وهو يكره ذلك منه لئامة وبخلا، وبهذا يظهر الفرق بين هذا وبين الأمر بالشيء والنهي عنه، لأن الأمر والنهي خطابان محلهما اللسان، نحو افعل لا تفعل. بخلاف الكراهة فإن محلها النفس، فلا تناقض الأمر.
وأما ما ذكر من نصوص كتب الأنبياء فحق نقول به.
وقد ورد به شرعنا، فإن الإنسان له قدرة واختيار يكتسب بهما، لكنهما تابعان لقدرة الله واختياره، فهما ناقصان نقص التبعية، وكون الشيء ناقصا لا يقدح في وجود مسماه، إنما يقدح في تمامه وكماله.