فهرس الكتاب

الصفحة 59 من 116

(فصل)

قال:"ونجده أيضا غير خارج على نظام متناسب لقوله في سورة النساء (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ) ."

قال:"ولا مناسبة بين العدل في اليتامى، وبين نكاح النساء."

ولهذا وغيره يتبين أنه كلام منثور، لا نظام له، ولا تأليف"."

قلت: هذا الخصم معذور في استشكاله هذا الكلام، لأنه من المشكلات التي تخفى على كثير من علماء الإسلام، لكنه ملوم في إيراده طعنا على القرآن قبل أن يبحث هل له محمل على الصواب أم لا؟

ولا شك أن العلماء ذكروا لارتباط بعض هذا الكلام ببعض وجوها

صحيحة مناسبة:

أحدها: ما روي عن عائشة أنها قالت: نزلت هذه الآية في اليتيمة تكون في حجر وليها فيرغب في مالها وجمالها فينكحها بدون صداق مثلها، فنهوا أن ينكحوهن حتى تقسطوا في الصداق، وأمروا أن ينكحوا من شاءوا من النساء غيرهن.

الثاني: ما روي عن ابن عباس قال: كان الرجل في الجاهلية يتزوج العشر من النساء فما زاد، فإذا أعدم مال على مال اليتيم فأنفقه، فأمروا بالاقتصار على العدد الخاص لئلا يحتاجوا إلى الميل على مال اليتيم.

الثالث: ما روي عن سعيد بن جبير أنه قال: كانوا يخافون ألا يقسطوا في اليتامى، ويتحرجون من ذلك، فنزلت الآية ومعناها: خافوا من عدم القسط في النساء ما خفتم منه في اليتامى.

قلت: هو من باب قوله:

لا تنه عن خلق وتأتي مثله ...

أن لا تتحرجوا من الجور على اليتامى، وتجورون على النساء، فهو كما تقول لصاحبك:

إن كنت تخشى الله في ظلم زيد، فلا تظلم عمروا.

وإن تحرجت من أخذ أموال الناس، فلا تأخذ أعراضهم. كذلك هذا.

الرابع: ما ذكره الحسن البصري، وهو أن معنى الكلام: إن تحرجتم من الميل على اليتامى فتحرجوا من الزنا بنكاح ما أحل الله لكم من امرأة أو اثنتين أو أربع، لتقمعوا داعية الزنا الحرام بالنكاح الحلال.

قلت: والمعنى، لا تتحرجوا عن معصية، وتواقعوا أخرى، فتكونوا كالذي تسامح في الزنا، وتحرج من العزل، أو ترك الغسل.

فهذه أربعة أوجه محتملة احتمالا ظاهرًا أو مناسبة مناسبة صحيحة معقولة فالمبادهة بإنكار ما له هذا التوجيه، قبل استيفاء النظر فيه، إما جهل أو عناد، والله أعلم.

وقد استقريت الأناجيل الأربعة، وأوردت عليها من الأسئلة ما لا أظن أن على وجه الأرض نصرانيا يقدر على أن يجيب عن شيء منها بمثل هذه الأجوبة عن آية النساء، فضلًا عن أوضح منها. فإن لزم بذلك الطعن على القرآن فهو على الإنجيل ألزم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت