فهرس الكتاب

الصفحة 10 من 46

فإن قيل: فقد قال الطبري إن عثمان - رضي الله عنه - إنما كتب ما كتب من القرآن على حرف واحد من الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن.

قال: وليس اختلاف القراء الآنَ الذي أراد النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله:"إن هذا القرآن نزل على سبعه أحرف".

واختلاف القراء عن هذا بمعزل.

قال: لأن ما اختلف فيه القراء لا يخرج عن خط المصحف، والذي كتب على حرف واحد.

قال: والستة الأحرف قد سقطت وذهب العمل بها بالإجماع على خط المصحف المكتوب على حرف واحد.

فالجواب: أن هذا الذي ادعاه من أن عثمان، رضي الله عنه، إنما كتب حرفًا واحدًا من الأحرف السبعة التي أنزلها الله عز وجل: لا يُوَافَقُ عليه، ولا يُسلَّمُ له، وما كان عثمان، رضي الله عنه، يستجيز ذلك، ولا يستحل ما حرَّم الله عز وجل من هجر كتابه، وإبطاله وتركه، وإنما قصد سدَّ باب القالة، وأن يدعي مدعٍ شيئًا ليس مما أنزل الله فيجعله من كتاب الله عز وجل، أو يرى أن تغيير لفظ الكتاب العزيز بغيره مما هو بمعناه لا بأس فلما كتب هذه المصاحف، وأمر بالقراءة بما فيها لم يمكن أحدًا من أولئك أن يفعل ما كان يفعل، والذي فعل ذلك مخطئ؛ لأن عمر - رضي الله عنه - أنكر على هشام بن حكيم لفظًا لم يسمعه من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعمر رضي الله عنه يعلم أن ذلك جائز في العربية، وأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:"هكذا أنزلت".

فلو أن تغيير القرآن لا يجوز لما أنكر عمر، رضي الله عنه، ما أنكره.

فأراد عثمان - رضي الله عنه - أن يجمع القرآن كله بجميع وجوهه السبعة التي أنزل عليها سدًا لباب الدعوى، وردًا لرأي من يرى تبديل حرف منه بغيره.

ألا ترى أنه أحضر الصحف التي كتبها الصديق - رضي الله عنه - وكانت بالأحرف السبعة، واستظهر من ذلك بما كتب بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الرقاع، والأكتاف واللخاف، أراده أن لا يبقى لقائل قول، ولا لمدع دعوى.

وأما قوله إنما كتب حرفًا واحدًا من الأحرف السبعة فغير صحيح، فقد كتب في بعض المصاحف (وأوْصى) وفي بعضها

(وَوَصى) ، وكتب في بعضها (وَقَالُوا اتخذَ اللَّهُ) ، وفي بعضها (قَالُوْا. . .) وكتب (سَارِعُوا إِلَى مَغفِرَةٍ) في موضع بغير واو، وفي

مصحف (وَسَاْرِعُوْا. . .) .

وكتب في المدنى والشامي (يَرْتَدِدْ) ، وفي غيرهما (يَرْتَدَّ) بدال واحدة.

و (تَجْرِي تَحْتَهَا) في سورة التوبة، وفي بعض المصاحف (مِنْ تَحْتِهَا) .

(وَبِالزبُرِ وَبالكتاب) في آل عمران في المصحف الشامي، وفي غيره (والزبُر وَاْلكِتَاْبِ) إلى غير ذلك من المواضع نحو: (شُرَكَائِهِمْ، وَشُرَكاؤهُمْ) ، (وَأَن اللَّهَ الْغنِي) و (فإن اللَّهَ هُوَ الْغنِي) ، (وَكُلٌّ وَعَدَ الله) ، (وكُلًا) إلى غير ذلك

مما تركت ذكره خشية الإطالة.

وقد ذكرت أن الأمة لا ترضى لأحد من خلق الله بترك كتاب الله، وما ثبت عن رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم -، وأن أحدًا لا يقدر أن ينتزع من أيديها ما اشتهر بينها، وتداولته النقلة، واستمرت على تلاوته الألسنة حتى يصير نسيًا منسيًا لا يعرفه إلَّا الشاذ منهم بعد أن كان يعرفه الكبير والصغير، والذكر والأنثى.

هذا من المحال في مجرى العادة، والذي لا يشك فيه أن عثمان، رضي الله عنه، كتب جميع القرآن بجميع وجوهه، ولم يغادر منه شيئًا، ولو ترك شيئًا منه لم يوافق عليه، وقد جاء بعده على عليه السلام، ولم يزد على ما كتبه حرفًا.

قال عبد الواحد بن عمر بن محمد بن أبي هاشم: وقد نبغ نابغ في عصرنا هذا، فزعم أن كل مَنْ صح عنده وجه في العربية بحرف من القرآن يوافق خط المصحف، فقراءته جائزة في الصلاة، وفي غيرها، فابتدع بدعة ضل بها عن قصد السبيل، وتورط في منزلة عظمت بها جنايته على الإسلام وأهله، وحاول إلحاق كتاب الله عز وجل من الباطل ما لا يأتيه من بين يديه، ولا من خلفه، إذ جعل لأهل الإلحاد في دين الله بسيء قِراءته طريقًا إلى مغالطة أهل الحق بتخير القراءات من جهة الكتب، والاستخراج بالآراء دون الاعتصام، والتمسك بالأثر المفترض على أهل الِإسلام قبوله. والأخذ به كابرًا عن كابر، وخالفًا عن سالف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت