فهرس الكتاب

الصفحة 32 من 46

ثم قال عز وجل: (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا) ، ثم قال بعد ذلك أيضاً: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) .

فإن قيل: إنْ قلت: إن هذه أخبار، والنسخ لا يدخل الأخبار. فما تقول في تعارضها؟

قلت: قوله عز وجل: (فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا)

قد روى ابن سيرين عن أبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في الآية:"هو جزاؤه إن جازاه".

وقال الطبري: جزاء القاتل جَهَنم حقاً، ولكن الله تعالى يغفر.

ويتفضل على من آمن بالله وبرسوله فلا يجازيهم بالخلود فيها، فإما أن يغفر فلا يدخلهم، وإما أن يدخلهم، ثم يخرجهم بفضل رحمته، وهذا خبر عام ولا يجوز نسخه.

وكذلك روي عن إبراهيم التيمي، ومجاهد.

وقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كاف.

وإنما أذكر هؤلاء لأن ذكرهم كالشهادة لصحة الحديث.

فإن قيل: فما تقول فيما تقدم ذكره عن ابن عباس؟

قلت: قد روى عاصم بن أبي النجود، عن ابن جبير، عن ابن عباس، رضي الله عنهما، أنه قال: هو جزاؤه إن جازاه ..

وروي عن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله عز وجل: (وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا(110) .

قال: فلو كانت ذنوبه أعظم من السموات، والأرض، والجبال لجاز أن يغفرها الله تعالى.

قال ابن عباس: وقد دعا الله عز وجل إلى مغفرته من قال: (عزيرٌ ابن الله) ، ومن زعم (أن الله فقير، ومن زعم أن(يد الله مغلولة) ، ومن زعم أن (الله ثالث ثلاثة) ، فقال الله عز وجل: (أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ(74) .

قال ابن عباس: وقد دعا الله عز وجل إلى التوبة من هو أعظم جرماً من هؤلاء، من قال: (أنا ربكم الأعلى) ، (مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي) .

قال: ومن أيأس العباد من التوبة فقد جحد كتاب الله، ومن تاب إلى الله تاب الله عليه، قال: وكما لا ينفع مع الشرك حسنات، كذلك نرجو أن يغفر الله ذنوب الموحدين.

قال ابن عباس: مع قول النبيّ - صلى الله عليه وسلم:

"لو وضعت لا إله إلا الله في كفّة ووضعت السماوات والأرض وما بينهن وما فيهن في كفّة لرجحت لا إله إلا الله"

وهذا هو الصحيح عن ابن عبّاس إن شاء الله، إذ أجمع المسلمون على صحة توبة قاتل العمد.

وكيف لا تصح توبته؟ وتصحّ توبة الكافر، وتوبة من ارتد عن الإسلام، ثم قتل المؤمنين متعمداً، ثم رجع إلى الإسلام؟.

قال عبد الله بن عمر، رضي الله عنه: كنا، معشر أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، لا نشك في قاتل المؤمن، وآكل مال اليتيم، وشاهد الزور، وقاطع الرحم، يعني لا نشك في الشهادة لهم بالنار، حتى نزلت (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) فأمسكنا عن الشهادة لهم.

فإن قيل: فما تقول في قولهم: هل يستطيع أن يحييه؟

قلت: ذلك على وجه تعظيم أمر القتل والزجر، أو يكون ذلك قبل أن تنزلاً (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ) على قول ابن عمر، ومن زعم أن القاتل عمداً لا توبة له، جعل الغفران لما دون الشرك في آية الفرقان منسوخاً.

قالوا: ونزلت آية الفرقان، فيما روى زيد بن ثابت، قبل آية النساء بستة أشهر، وقد قدمت أن النسخ لا يدخل الأخبار، فلا نسخ في جميع هذه الآية، وكلها محكمة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت