قوله عز وجل: (وَإذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُوْنَ قَالُوْا سَلاَماً)
قال أبو العالية: قوله: (قَالُوا سَلاَماً) منسوخ بآية السيف
وتكلم في ذلك سيبويه، ولم يتكلم في شيء من الناسخ والمنسوخ إلَّا في هذه الآية.
قال: ولم يؤمر المسلمون يومئذ أن يسلموا على المشركين، قال: ولكنه على قولك"لا خير بيننا ولا شر".
يعني - أن قوله (قَالُوْا سَلاَماً) معناه: تسلُّماً منكم ومتاركة، لا نجاهلكم لا خير بيننا ولا شر، أي نتسلم منكم تسلماً، فأقيم السلام مقام التسلم.
وهذا التأويل يحتاج فيه إلى إثبات أن الجاهلين هم المشركون، وأيضاً فإن الله عزّ وجلّ وصف المؤمنين وأثنى عليهم بصفات، منها: الحلم عند جهل الجاهل، والمراد بالجاهلين السفهاء، وهذه صفة محمودة باقية إلى يوم القيامة، وما زال الإغضاء عن السفهاء، والترفع عن مقابلة ما قالوه بمثله من أخلاق الفضلاء، وبذلك يقضي الورع، والشرع.
والأدب والمروءة، ثم وأي حاجة إلى القول: بأن ذلك منسوخ؟
وقال زيد بن أسلم: التمست تفسير هذه الآية، فلم أجده عند أحد فأنبِئت في النوم، فقيل لي: هم الذين لا يريدون فساداً في الأرض.
وقال ابن زيد: هم الذين لا يتكبرون في الأرض، ولا يتجبرون، ولا يفسدون، وهو قوله عز وجل: (تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا) .
وقال الحسن: يمشون حلماء علماء لا يجهلون.
فإن جهل عليهم لم يجهلوا، وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً، أي إذا خاطبهم الجاهلون بما يكرهون من القول أجابوهم بالمعروف، والسداد من الخطاب، قالوا: تسلماً منكم، وبراءة بيننا، وبينكم، ذلَّت والله منهم الأسماع، والأبصار، والجوارح حتى يحسبهم الجاهل مرضى، وما بالقوم من مرض، وإنهم لأصحاء القلوب، ولكنهم دخلهم من الخوف ما لم يدخل غيرهم، ومنعهم من الدنيا علمهم بالآخرة، فلما وصلوا إلى بغيتهم (قالوا: الحمد لله الذي أذهَبَ عنا الحَزَن) ، والله ما حزنتهم الدنيا، ولا تعاظم في أنفسهم ما طلبواْ به الجنة أبكاهم الخوف من النار، وأنه من لم يعتز بعز الله يقطّع نفسه حسرات.
وكلام الحسن، وما ذكرته من كلام غيره يدلّ على أنّ الآية محكمة، وقول سيبويه الذي قاله فيه نظر؛ لأنه قال: لم يؤمر المسلمون يومئذ إن يسلّموا على المشركين، وهذا ليس بأمر، إنّما هو شيء حكاه الله عزّ وجل عنهم، وأثنى عليهم به.
فإن قيل: أراد سيبويه، رحمه الله: لم يؤمروا أن يسلموا عليهم، فكيف يسلمون عليهم؟
قلت: لا يفتقرون في ذلك إلى أمر من الله عز وجلّ، فقد كانوا يسلمون عليهم.
وإن كان (سلام عليكم) أصله الدعاء، إلَّا أنه قد يقوله من لا يريد الدعاء إنما يريد الإحسان والإجمال في المخاطبة، فإن أراد سيبويه هذا، فهو حسن، وإن أراد أنهم لم يأتوا بالتسليم مريدين به التبرؤ، فإن ذلك يبطل بقوله عز وجل في سورة القصص حين أثنى على قوم من أهل الكتاب أسلموا (وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ(55) .
وهذه الآية أخت تلك، وقد عيب عليه قوله:"لا خير بيننا ولا شر".
وقال مكي في هذه الآية: إن هذا، وإن كان خبراً، فهو من الخبر الذي يجوز نسخه.
قال: لأنَه ليس فيه خبر من الله عز وجلّ لنا عن شيء يكون، أو شيء كان، فينسخ بآية لا تكون، أو بآية لم تكن. هذا الذي لا يجوز فيه النسخ، وإنما هذا خبر من الله عز وجل لنا أن هذا الأمر كان من فعل هؤلاء الذين هم عباد الرحمن قبل أن يؤمروا بالقتال، وأعلمنا في موضع آخر نزل بعد فعلهم ذلك أنه أمر بقتالهم، وقتلهم، فنسخ ما كانوا عليه.
قال: ولو أعلمنا في موضع آخر أنهم لم يكونوا يقولون للجاهلين سلاماً لكان هذا نسخاً للخبر الأول، وهذا لا يجوز، وهو نسخ الخبر بعينه، والله عز وجل يتعالى عن ذلك.
قال: فإذا كان الخبر حكاية عن فعل قوم جاز نسخ ذلك الفعل الذي أخبرنا به عنهم بأن يأمر بأن لا يفعلوه، ولا يجوز نسخ ذلك الخبر.
والحكاية بعينها بأنها لم تكن، أو كانت على خلاف ما أخبر به أولاً.
فاعرف الفرق في ذلك، وقوله هذا لو فرضنا أن تأويل الآية أن الجاهلين هم المشركون لا يصح به نسخ الآية، لأن الله عز وجل إن كان نهاهم عن فعله، أو أمرهم أن لا يفعلوه بآية السيف، فإن هذا الخلق الذي أخبر به عنهم، وهو قولهم (سلاماً) لم يكن بأمر من الله عزَّ وجلَّ، وإنما كانوا يفعلون ذلك من عند أنفسهم حلماً، وتبرؤوا من المشركين كما زعم من قال ذلك.
فإذا نزلت آية السيف ناسخة لذلك كانت ناسخة عادة كانوا يفعلونها، ولم تكن ناسخة قرآناً، وهذه الآية مخبرة بما كانوا يفعلونه.
فكيف تنسخها آية السيف؟!! وهذا واضح.