فهرس الكتاب

الصفحة 46 من 46

قوله عز وجل: (قُمِ الليْلَ إلا قَلِيلاً)

قالوا: أمره الله بقيام الليل عن آخره، ثم استثنى بقوله (إلا قَلِيلاً) ، ثم نسخ القليل بنصفه، فقال: (نِصْفَهُ أوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً) إلى الثلث، فنسخ الله من الليل ثلثه، ثم قال: (أوْزِدْ عَلَيْهِ) أي من النصف إلى الثلث.

وهذا كما تراه خبط صادر عن عدم التحصيل.

وإنما المعنى أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كانت حاله تختلف في قيام الليل، فيقوم مرة نصف الليل، ومرة يقوم قبل النصف، ومرة يقوم بعده، ولا يخص وقتاً واحداً، فقال له الله - عز وجل - مهوناً عليه أمره في ذلك: (قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا(2) نِصْفَهُ)

أي انقص من النصف قليلاً، ولم ينسخ الله بهذا من الليل ثلثه كما زعم من تقدم ذكره.

ثم قال عزَّ وجلَّ: (أوْ زِد عَلَيْهِ) يجوز أن تكون الهاء عائدة على النصف، وهو الظاهر لقوله عزَّ وجلَّ: (إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ) .

أي أقل من ثلثي الليل، وهذا تصريح بالزيادة على النصف.

وقيل: يجوز أن تكون الهاء عائدة على القليل، كأنه قيل: قم نصف الليل إلَّا قليلًا، أو زد على ذلك القليل.

وكذلك قالوا في الهاء في (منه) : إنها عائدة على القليل أيضاً.

قال الزمخشري:"فيكون التخيير على هذا فيما وراء النصف فيما بينه وبين الثلث، وهذا غير مستقيم، لأن القليل المستثنى من النصف غير معلوم، فكيف تعقل الزيادة عليه، أو النقصان منه؟"

ويدل على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقوم الليل تطوعاً قوله عزَّ وجلَّ: (إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ) ، وهذا هو الزيادة على النصف، ونصفه فيمن قرأ بالنصب، وثلثه أي وتقوم النصف والثلث، وفي قراءة الخفض في النصف والثلث: المعنى: وتقوم أدنى من النصف والثلث، والمعنى أن الله عزَّ وجلَّ قد رضي منك هذه الأحوال كلها، فأيها اتفق لك فهو حسن، ولا يريد الله بك، وبمن يقوم معك العسر، فيضيق عليكم بوقت تتكلفونه، وقد (علم أن سيكونُ منكم مرضى) يجدون خفة في بعض هذه الأوقات دون بعض، ومسافرون لا يمكنهم مع أحوال السفر إلا التخفيف عليهم، والمجاهدون كذلك.

فإن قيل: كيف يكون تطوعاً، وقد قال عز وجل: (فَتَابَ عَلَيْكُمْ) ؟

قلت: (فَتَابَ عَلَيْكُمْ) كقوله عز وجل: (فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ)

أي رخص لكم، فلا تبعة عليكم، فلما كانت حالُهم في أنْ لا تبعة حالَ التائب، عبر عن الترخيص بالتوبة، ويلزم من

قال بالوجوب أن تكون الآية منسوخة؛ لأنه قد ثبت أن لا فرض من الصلاة إلَّا الخمس، وهو إجماع المسلمين، وقول الأعرابي:

"هل علي غير ذلك"فقال - صلى الله عليه وسلم:"إلا إلا أن تطّوع"

ولا بد من ذكر أقوال العلماء؛ لأنه من غرض الناسخ والمنسوخ.

قال أكثرهم: كان قيام الليل فرضاً على النبي - صلى الله عليه وسلم -، وعلى المسلمين، ثم خفف عنهم في الآيتين في آخر السورة، فنسخ بهما أولها، وقد قلت: إن ذلك ليس بنسخ، وإنما هو تخفيف في المقدار؟ لأنهم لا يحصونه.

وقيل: كان فرضاً على النبي - صلى الله عليه وسلم - وحده، ثم نسخ بآخر السورة.

وقيل: كان ندباً، وهو الصواب، إن شاء الله، والقول بأنه كان تطوعاً أوضح منه.

وقوله عز وجل: (قُمِ الليْلَ) أي دم على ما تطوعت به مدحاً لحاله، وتحسيناً لها.

وقال ابن عباس: كان بين أول السورة وآخرها سَنَة.

وعن عائشة - رضي الله عنها -"لما نزلت (يَا أيهَا المزْملُ) كان الرجل يربط الحبل، ويتعلق به، فمكثوا بذلك ثمانية أشهر، فرأى الله عز وجل ما يبتغون من رضوانه، فرحمهم، فردَّهم إلى الفريضة"وترك قيام الليل"."

وأنت في هذه الرواية بين أمور ثلاثة:

إما إبطال قول من يقول: إن المزمل من أول ما نزل؛ لأن عائشة رضي الله عنها، لم تكن هناك في ذلك الوقت.

وإما أن يصحح أن المزمل من أول ما نزل، فتبطل هذه الرواية.

وإما أنْ نقول: إن عائشة - رضي الله عنها - سمعت بذلك من غيرها. فأخبرت به.

ومما يدل على أن عائشة رضي الله عنها أخبرت عن مشاهدة لا عن سماع أنها سئلت: ما كان تزميله؟

قالت: كان مرطاً طوله أربع عشرة ذراعاً نصفه عليَّ، وأنا نائمة، ونصفه عليه، وهو يصلي، فقيل لها: فما كان؟

فقالتْ: والله ما كان خَزًّا، ولا قَزًّا، كان سَدَاهُ شَعْراً". ولُحْمَته وَبَراً، ويؤيد هذا ما دلت عليه السورة من كثرة"

المسلمين بقوله: (وَطَائِفةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ)

وفي قوله: (وَطَائِفةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ) دليل على أنه لم يكن فرضاً، إذ لو كان فرضاً لقام الكل.، ولم يخص طائفة منهم.

وقال ابن جبير: مكث النبي - صلى الله عليه وسلم - يقوم الليل، كما أمره الله عز وجل، عشر سنين، ثم خفف عنهم بعد عشر سنين.

وقال عكرمة: (قم الليْلَ إلا قَلِيْلًا) نسختها التي في آخرها (عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ) .

وقد بينت أن ذلك في القيام المقدر، والوقت المعين، علم أن لن تحصوا ذلك، فاقرؤوا ما تيسر من القرآن؛ لأنه يلزم من قراءة ما تيسر من القرآن قيام ما اتفق من الأوقات.

وقال قتادة: قاموا حولين حتى انتفخت أقدامهم، وسوقهم، فأنزل الله عز وجل تخفيفاً في آخر السورة، فهذه أقوال العلماء.

فإن حملت أول السورة على التطوع أو على الندب، وآخرها على ترك المؤاخذة بالمقدار كان الآيتان محكمتين، وإن حملت أولها على الوجوب كان آخرها ناسخاً لأولها، وكانوا في آخرها مأمورين بأن يصلوا ما تيسر لهم، ثم كان آخرها أيضاً منسوخاً بالصلوات الخمس.

جعلنا الله من الذين يستمعون القول، فيتبعون أحسنه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت