وعلى البعث بإنزال الماء، وإحياء الأرض بعد موتها. وبالنشأة الأولى إلى غير ذلك إعجاز؟
قلت: الإعجاز من جهة إيراد هذه الحجج في الأساليب العجيبة، والبلاغة الفائقة، فهو راجع إلى ما قدمناه من نظم القرآن، وإعجازه.
وأمَّا كونها براهين قاطعة فهو دليل على صدق النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ لأنه لم يكن من أهل هذا، ولا قومه، ولا يعرف شيئًا منه، فلا اكتراث بعد ذلك بما أظهره حاسد، أو معاند، أو جاهل من شك.
أو ارتياب يظهر لضعيف يُكَفِّرُهُ.
ومن آيات الله عز وجل، وتمام حكمته أن تعاطى مسيلمة الكذاب معارضته، فأتى بما جعله ضُحْكَة للعالمين ليظهر بذلك مضمون خبره الصادق بأن المعارضة ممتنعة، وأن المماثلة مندفعة.
ولقد حكي عن عمرو بن العاص. رحمه الله أنه مرَّ باليمامة فأتى مسيلمة الكذاب ليختبر ما عنده، فقال له مسيلمة: ما الذي نزل على صاحبكم في هذه الأيام؟
فقال عمرو: نزل عليه: (وَالْعَصْرِ(1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3)
فقال مسيلمة: قد نزل على نحو من هذا.
فقال له عمرو: وما ذلك؟
فقال: يا وبر يا وبر أذنان وصدر وسائرك حقر نقر
كيف ترى يا عمرو؟
فقال له عمرو: إنك لتعلم أني أعلم أنك تكذب.
فقد خرج مسيلمة بهذا الكلام عن كلام العقلاء، ودخل في تخليط المجانين.