فهرس الكتاب

الصفحة 38 من 46

قوله عزّ وجلّ: (الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ(3)

في معنى هذه الآية أقوال:

قال ابن المسيّب، فيما رواه مالك، عن يحيَى بن سعيد، عنه: إنّها عامة، وإنها منسوخة بقوله عزّ وجلّ: (وَأنْكحُوا الأيَامَى مِنْكُمْ)

ولم يفرّق بين زانية، ولا عفيفة، فكلّ من زنى بامرأة، أو رُمِيَ بها غيره جاز له أن يتزوّجها.

قال الشافعي - رحمه الله: الآية منسوخة، إن شاء الله، كما قال ابن المسيب، وكذلك يقول ابن عمر: هي منسوخة بجواز نكاح الزانية، وسالم، وجابر بن زيد، وعطاء.

وطاووس، ومالك، وأبو حنيفة، والقول بأن الآية منسوخة يوجب أن الزاني كان محرماً عليه أن ينكح عفيفة، ولا يجوز له أن ينكح إلَّا زانية أو مشركة، وأن الزانية لا ينكحها إلا زانٍ أو مشرك، وادعاء ذلك ليس بالهيِّن، ومتى أباح الله عز وجل نكاح المشركات غير الكتابيات لزناة المسلمين؟

ومتى أباح الله للزانية المسلمة أن تنكح المشرك؟

فهذا القول واهٍ ظاهر السقوط.

ثم إن قوله عز وجل: (وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ)

يوجب على هذا القول أن يكون الزاني، والزانية غير المشركين أن يكونا غير مؤمنين.

وقال مجاهد، وقتادة، والزهري: هذه الآية نزلت في قوم من المؤمنين أرادوا نكاح مومسات معلوم منهن الزنا في الجاهلية.

وقال ابن عمر، رحمه الله: استأذن رجل من المؤمنين النبي - صلى الله عليه وسلم - في نكاح اْمرأة يقال لها أم مهزول، اشترطت له أن تنفق عليه، وكانت تسافح.

والآية لا تطابق ما ذكروه، فكيف يكون سبباً لنزولها؟

وكان ينبغي على ما ذكروه أن يكون أول الكلام: المؤمنون لا ينكحون الزواني.

وفي ذلك أيضاً ما ذكرته فيما سبق.

وعن ابن عباس رحمه الله المراد بالنكاح الوطء، أي أن الزاني من أهل القبلة لا يزني إلا بزانية مثله من أهل القبلة، أو بمشركة، والزانية من أهل القبلة لا تزني إلا بزان مثلها من أهل القبلة، أو بمشرك، وحرم ذلك أي وحرم الزنا على المؤمنين، واختار هذا القول الطبري.

وقال في قوله عز وجل: (وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ)

أي وحرم على المؤمنين نكاح المشركات الوثنيات، وعلى المؤمنات نكاح المشركين، وليس هذا القول بمستقيم، وأي فائدة في الإخبار بأن الزاني لا ينكح إلا زانية أي لا يطإ إلَّا زانية، وفي أن الزانية لا يطؤها إلا زانٍ؟

ورد قوم من العلماء القول بأن المراد بالنكاح الوطء، بقوله عز وجل: (وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ) ، وقال: هو محرم على المؤمنين. وغيرهم ..

وإنما المراد بالنكاح التزويج أي وحرم نكاح البغايا والزناة، وهذا الرد غير سديد؛ لأنه لا يلزم من قوله عز وجل: (وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ) أن يكون مباحاً لغيرهم، وقد قال عز وجل: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ) و (حرمت عليهم أمهاتُكم) الآية، وإنما رده

بما ذكرته.

وقال صاحب الكشاف في هذه الآية: الفاسق الخبيث الذي من شأنه الزنا والتقحب لا يرغب في نكاح الصوالح من النساء، واللائي على خلاف صفته، وإنما يرغب في فاسقة خبيثة من شكله، أو مشركة.

والفاسقة الخبيثة المسافحة كذلك لا يرغب في نكاحها الصلحاء من الرجال، وينفرون عنها، وإنما يرغب فيها من هو من شكلها من الفسقة أو المشركين، ونكاح المؤمن الممدوح عند الله الزانية ورغبته فيها.

وانخراطه بذلك في سلك الفسقة المتسمين بالزنا مُحرم عليه - محظور لما فيه من التشبه بالفساق، وحضور موقع التهمة، والتسبب لسوء القالة فيه، والغيبة، وأنواع المفاسد، ومجالسة الخطائين كم فيها من التعرض لاقتراف الآثام، فكيف بمزاوجة الزواني، والقحاب.

وقد نبه تعالى على ذلك بقوله (وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ) .

وقد قال هذا، وهو يحسب أنه قد قال شيئاً.

ومتى كان الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة؟

بل الزاني المتوغل في الزنا أكثر غيرةً من غيره.

ألا ترى إلى قوله"بقدر العفة تكون الغيرة"

فهو لا يرضى لنفسه أن تكون قعيدة بيته إلَّا في أبلغ درجات التصون، وتراه يتخيل من أدنى شيء لما عرفه من أحوال الزناة، ولهذا أجاز مالك - رحمه الله - ولاية الفاسق في النكاح.

ومتى أبيح للزاني نكاح المشركة الوثنية حتى لا يرغب إلا فيها؟

ومتى رأينا الزناة يطلبون المشركات لنكاحهن كتابيات أو غبر كتابيات؟ ثم إن نكاح المشركات ليس فيه شيء مما ذكر، ولو كان

فيه ذلك، لما أباح الله عز وجل نكاح الكتابيات، وأحله للمؤمنين.

فكيف تكون مخالطتهن والكون معهن محرم على المسلمين؟.

فإن قيل: فما بقي للآية معنى تحمل عليه؟

قلت: معناها تنفيرهمْ عن الزنا، وتقبيحه في نفوسهم؛ لأنّه عز وجل ذكر في الآية التي قبلها حد الزاني، ونهى عن الرأفة بمن زنا، وذكر أنها لا تجامع الإيمان، ثم قال في هذه الآية كالمؤكد لذلك إذا كان الزاني المشهور بالزنا غير مرضي لنكاح من وليتم أمره، بل هو مردود عن ذلك مصدود استنكافاً له، فلا ينكح إلا زانية مثله، والزانية لا تجد ناكحاً لهجنتها إلا زانياً، أو مشركاً إن كانت بشركة، فإذا كانت هذه حال الزنا عندكم فكيف ترضونه لأنفسكم؟ فقد حرمه الله عليكم لما فيه من رفع أقداركم، وصرف السوء والفحشاء عنكم.

والزاني في قوله عز وجل (الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ) عام في كل زان مسلم أو مشرك، وفي كل زانية فهذا الجنس لا ينكح إلا زانية إن كان مسلماً، أو مشركة إن كان مشركاً، ونزه الله المؤمنين من ذلك، فحرّمه عليهم، والآية محكمة، والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت