فهرس الكتاب

الصفحة 44 من 46

قوله عز وجل: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً)

هي منسوخة بالتي بعدها، وقيل: نسخت بالزكاة في الآية التي بعدها.

وروي عن عليٍّ عليه السلام أنه قال:"إن في كتاب الله آية لم يعمل بها أحد قبلي، ولا يعمل بها أحد بعدي، كان عندي دينار فصرفته بعشرة دراهم فكنت إذا ناجيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تصدقت بدرهم".

وفي طريق أخرى فكنت كلما أردت أن أسأله عن مسألة تصدقت بدرهم، حتى لم يبق معي غير درهم واحد.

فتصدقت به، وسألته، فنسخت الآية، ونزل ناسخها: (أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ. . .) الآية.

واختلفوا في سبب الأمر بذلك، فقال قائلون: كان ذلك تعظيماً لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وقال ابن عباس وقتادة: أكثروا من المسائل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى شقوا عليه، فأراد الله أن يخفف عن نبيه - صلى الله عليه وسلم -، فصبر كثير من الناس، وكفوا عن المسألة، ثم وسع الله عليهم بالآية التي بعدها.

وابن عباس، رحمه الله، يجل محله من العلم عن مثل هذا، لأنه قول ساقط من قبل أن ذلك لا يكفهم عن المسألة؛ لأنه عز وجل قال: (فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً) فلو تصدق أحدهم بتمرة واحدة أجزأه، فمن يشق عليه أن يتصدق بذلك.

وقال الزمخشري: كفَّ الأغنياء شحاً، والفقراء بعسرتهم، وهذا غير صحيح، لأن ذلك إنما كان على الأغنياء لقوله سبحانه:

(فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ(12) .

وأيضاً فكيف يُخَففُ عن نبيه ثم يعود فيشق عليه؟.

وقال ابن زيد: ضيق الله عليهم في المناجاة هي لا يناجي أهل الباطل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فشق ذلك على أهل الحق. فقالوا: يا رسول الله لا نستطيع ذلك، ولا نطيقه، فنزل التخفيف.

وأقول: إن المراد بذلك، والله أعلم، أنه جعل هذه الصدقة تطهيراً لهم قبل المناجاة، كما جعل طهارة الأعضاء قبل المناجاة الأخرى، فإن المصلي يناجي ربه عز وجل يدل على ذلك قوله سبحانه: (ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأطْهَرُ)

ولو كان للتخفيف عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يؤمر به الأغنياء دون الفقراء، والفقراء أكثر، ومسائلهم أعظم، قال الله عز وجل: (فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) .

واختلفوا في مدتها:

فقال قوم: ساعة من نهار، وسياق الحديث عن عليٍّ عليه السلام يردُّ هذا، وقال ابن عباس: كان المسلمون يقدمون بين يدي النجوى صدقة، فلما نزلت الزكاة نسخ هذا.

وقيل: كان ذلك عشر ليالٍ، ثم نسخ، وهذا الناسخ والمنسوخ لا نظير له، أما المنسوخ فإنه إنما كان راجعاً إلى اختيار الإنسان، فإن أحب أن يناجي تصدق، وإلا فلا.

وليست المناجاة بواجبة، وأما الناسخ فقد ارتفع حكمه، وحكم المنسوخ بوفاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.

فإن قيل: أي فائدة في الأمر بهذه الصدقة؟ ونسخها قبل العمل بها؟

قلت: تعريف العباد برحمة الله لهم، وإظهار المنَّة عليهم، وتمييز لولي من أوليائه بفضيلة لم يجعلها لغيره، وهو عليٌّ عليه السلام.

قال عبد الله بن عمر، رحمه الله: كانت لعليٍّ ثلاث، لو كانت لي واحدة منهن كانت أحبَّ إليَّ من حمر النعم، تزويجه فاطمة، رضي الله عنها، وإعطاؤه الراية يوم خيبر، وآية النجوى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت