فهرس الكتاب

الصفحة 6 من 46

(فائدة)

"يقول الرب عز وجل: من شغله القرآن، وذكري عن مَسْألَتي أَعْطيتُهُ أفضلَ ما أُعْطِي السائلين".

فإن قيل: التلاوةُ أفضلُ أم الذكرُ؟

قلت: إذا تلوت خاطبك الله عز وجل، وإذا ذكرته فأنت تخاطبه، ولا مزيد على هذا.

وقيل لعبد الله بن مسعود، رحمه الله: إن فلانًا يقرأ القرآن منكوسًا، فقال: ذلك منكوسُ القلب.

قال أبو عبيد: يَتَاَولُ منكوسًا كثيرٌ من الناس أن يبدأ من آخر البقرة فيقرأها إلى أولها، وهذا شيء ما أحسب أحدًا يُطيقه، ولا كان هذا في زمن عبد الله، ولا عرفه، ولكن وجهه عندي أنْ يبدأَ من آخر القرآن من المعوذتين ثم يرتفع إلى البقرة كنحو ما يتعلم الصبيان في الكتاب؛ لأن السنة خلاف هذا يُعْلَمُ ذلك بالحديث الذي يُحَدثُهُ عثمانُ رحمه الله عن النبي - صلى الله عليه وسلم:"أنه كان إذا نزلتْ عليه السورة أو الآية قال ضَعُوها في الموضع الذي يُذْكَرُ فيه كذا وكذا"

ألا ترى أن التأليف للآي في الحديث من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم كتبت المصاحف على هذا، ومما يبين لك ذلك أنه ضم براءة إلى الأنفال فجعلها بعدها، وهي أطول، وإنما ذلك للتأليف، وكان أول القرآن فاتحة الكتاب، ثم البقرة، فإذا بدأ من المعوذتين صارت فاتحة الكتاب آخر القرآن، فكيف تسمى فاتحته، وقد جعلت خاتمته؟.

قال: وقد روي عن الحسن وابن سيرين من الكراهة فيما هو دون هذا.

قال: حدثنا ابن أبي عَدِي، عن أشعث، عن الحسن وابن سيرين أنهما كانا يقرأان - القرآن من أوله إلى آخره، ويكرهان الأوراد.

وقال ابن سيرين: تأليف الله خير من تأليفكم.

قال أبو عبيد: وتأويل الأوراد أنهم كانوا أحدثوا أن جعلوا القرآن أجزاء، كل جزء منها فيه سورة مختلفة من القرآن على غير التأليف، جعلوا السورة الطويلة مع أخرى دونها في الطول، ثم يزيدون كذلك حتى يتم الجزء، ولا يكون فيه سورة منقطعة، فهذه الأوراد التي كرهها الحسن ومحمد.

والنكس أكبر من هذا وأشد، وإنما جاءت الرخصة في تعلم الصبي والعجمي من المفصَّل لصعوبة السور الطوَل عليهما، فهذا عذر.

فأما من قد قرأ القرآن وحفظه، ثم تعمد أن يقرأه منْ آخره إلى أوله. فهذا النكس المنهي عنه، فإذا كرهنا هذا، فنحن للنكس من آخر السورة إلى أولها أشد كراهةً إن كان ذلك يكون.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت