لا ريب في عجز البلغاء، وقصور الفصحاء عن معارضة القرآن العظيم، وعن الإتيان بسورة من مثله في حديث الزمان والقديم، وذلك ظاهر مكشوف ومتيقن معروف لا سيما القوم الذين تحداهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فإنهم كانوا ذوي حرص على تكذيبه، والرد عليه، وحالهم معه معروفه في معاداته، ومعاندته، وإظهار بغضه، وأذاه، وقذفه بالجنون والشعر، والسحر. فكيف يترك من هذه حاله معارضته، وهو قادر عليها، ومماثلته، وهو وأصل إلبها، هذا وهو ينادي عليهم بقوله: (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا(88)
مع ما فيه من سبهم، وسب آبائهم، ووصفهم بالجهل، والعجز، وإيعادهم بالعذاب، والنكال، وسوء المنقلب، ورميهم بالكذب، والافتراء وتقبيح ألافعال، وتهجين ما هم عليه من الأحكام الفاسدة، وإطالة القول في ذلك، وفي شرح أحوالهم، واستقباح أعمالهم فيما أعد لهم من الهوان، والنكال في الدنيا والضآل.
أليس هذا وشبهه مما يحملهم على المعارضة لو كانوا قادرين عليها.
ومما يجذبهم إلى المناظرة لو وجدوا سبيلًا إليها، وحالهم في الجدال معلومة، وأمورهم في تفاخرهم، وطلبهم الترفع مفهومة، وقد كانوا يجعلون أموالهم دون أعراضهم، ويهون عليهم كل مستصعب في بلوغ أغراضهم، فإذا هجاهم شاعر جدُّوا في معارضته، وإجابته، واستعانوا على ذلك بمن يحسنه، ويظهر عليه في مقاولته، ومحاورته، فلا ريب إذن في أنهم راموا ذلك فما أطاقوه، وحاولوه فما استطاعوه، وأنهم رأوا نَظْمًا عجيبًا خارجًا عن أساليب كلامهم، ورصفًا بديعًا مباينًا لقوانين بلاغتهم ونظامهم، فأيقنوا بالقصور عن معارضته، واستشعروا العجز عن مقابلته، وهذا هو الوجه في إعجاز القرآن، كما قال بعضهم: القرآن لا يدركه عقل، ولا يقصر عنه فهم.
وأما ما تضمنه القرآن العزيز من الإخبار عن المغيّب فليس ذلك مما تحداهم به، ولكنه دليل على صدق الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأنه كلام علام الغيوب وكذلك أيضًا دلالة حال الرسول - صلى الله عليه وسلم - في كونه أميًا لا معرفة له.
ولا يحسن أن يقرأ، ولا وقف على شيء من أخبار الأمم الساللَّه حتى إنه لا يقول الشعر، ولا ينظر في الكتب، ثم إنه قد أتى بأخبار القرون الماضية.
والأمم الخالية، وبما كان من أول خلق الأرض، والسماء إلى انقضاء الدنيا، وهم يعلمون ذلك من حاله، ولا يشكون فيه، فهذه الحال دليل قاطع بصدقه - صلى الله عليه وسلم -.
ولكن إعجاز القرآن من قِبَلِ أنه خارج في بديع نظمه.
وغرابة أساليبه عن معهود كلام البشر، مختص بنمط غريب لا يشبه شيئًا من القول فيِ الرصف والترتيب، لا هو من قبيل الشعر، ولا من ضروب الخطب والسجع يعلم من قائله أنه خارج عن المألوف مباين للمعروف.
فتناسب في البلاغة، متشابه في البراعة، بريء من التكلف، منزه عن التصنع والتعسف. وكلام البشر، وإن كان من فصيح بليغ، يظهر فيه.
إذا طال، تفاوت، واختلاف، وإخلال.
والقرآن العزيز على ذوق واحد إن بشر، أو أنذر، أو وعظ وحذر، أو قصَّ وأخبر، أو نهى أو أمر.
وليس ذلك لرؤساء الكلام، وفحول النظام، فقد يجيد بعضهم المدح، ويقصر في ضده، وفي وصف الخيل، وسير الليل، دون وصف الحرب والجود والمطر والسيل.
والقرآن العزيز كله وإن أطَال في هذه المعاني التي ذكرتها، أو أوجزَ على قَرِيٍّ واحد لا تعثر فيه على اختلاف، ولا أنت لتقصير بواجد.
فلا يشك في صحة نزوله من عند الله عز وجل ذو بصيرة.
ولا قدرة لأحد من البشر على أن يأتي بمثله في إحكام معانيه، وانتظام ألفاظه، وبديع منهاجه.
ولقد عجزت العرب مع قدرتها على التصرف في الكلام والفصاحة، وفروع البلاغة عن معارضة سوره، ومن السور ما يقل عدده، وقد أعلمهم أنهم لا يقدرون على ذلك، فنطق لسان الحال بعجزهم، ووقوع إياسهم من الوصول إلى شيء منه، وانحرفوا إلى القتال. وبذل الأموال في المعاندة.
فالقرآن إذًا لهذا السبب أعظم آياته - صلى الله عليه وسلم -، وأوضح الأدلة على صحة نبوته؛ ولهذا قال الله عز وجل: (لاَ رَيْبَ فيْهِ) أي لا يرتاب فيه ذو لب.
فإن قيل: ما معنى قولكم: النظم الغريب، والرصف العجيب؟
وهل ثم زائد على تعليق الكلام بعضه ببعض؟
وذلك الاسم بالاسم، والفعل بالاسم، والحرف بهما؟
وهذا موجود في كلام العرب.
فبأي شيء باين القرآن كلام العرب؟
قيل: ما كل ما يحيط به العلم تؤديه الصفة، ولكن ألست تفضل كلام البلغاء، والخطباء على غيره؟
وترى أيضًا فلانًا أبلغ من فلان، وأخطب، وأشعر، وأفصح؟
فبأي شيء حصلت هذه التفرقة؟
فكذلك عرفت العرب، ومن يعلم البلاغة من غيرهم مباينة القرآن العزيز سائر الكلام، وذلك بصحة الذوق، وسلامة الطبع، ولطف الحس حتى إن منهم من يعرف شعر الشاعر وإن دلس بغيره، ويفصله مما دلس
به، ويقول: هذا كلام فلان.
ولقد رفع إلى الخليفة شعر صالح بن عبد القدوس في شيء من الكفر، فلما مثل بين يديه أنكر أن يكون ذلك من قوله، فأنشده غير ذلك مما اعترف به، فقال: هذا من نسبة ذاك، فقتله.
فانظر كيف عرف شعره، وأسلوبه، واتحاد طريقه حتى قضى بأنه كله شيء واحد، وإن لم يكن في الثاني شيء مما في الأول.
وقد يكون كلام البشر فصيحًا مليحًا موصوفًا بالجودة، وإنه مطابق للمعنى، سليم من التعمق، والتعسف، والتكلف، بريء من النقصان والزيادة، حسن المجاورة، تتبع الكلمة الكلمة التي تناسبها، وتكون بها أولى من غيرها، خفيف على السمع، حلو في النطق، جارٍ على المعتاد من كلام الفصحاء، والبلغاء، ومع ذلك فلا يقارب القرآن في شيء من ذلك، ولا يدانيه.