النفاق وأثره في القلب
وقال حاتم الأصم المؤمن مشغول بالفكر والعبر والمنافق مشغول بالحرص والأمل والمؤمن يائس من كل أحد إلا من الله والمنافق راج من كل أحد إلا من الله والمؤمن آمن من كل أحد إلا من الله. والمنافق خائف من كل أحد إلا من الله. والمؤمن يقدم ماله دون دينه والمنافق يقدم دينه دون ماله والمؤمن يحسن ويبكي والمنافق يسيء ويضحك والمؤمن يحب الوحدة والخلوة. والمنافق يحب الخلطة والملأ. والمؤمن يزرع ويخشى الفساد. والمنافق يقطع ويرجو الحصاد. والمؤمن يأمر وينهى للسياحة فيصلح والمنافق يأمر وينهى للرياسة فيفسد.
وقال سيدنا علي كرم الله وجهه: الإيمان يبدو في القلب نكتة بيضاء فكلما ازداد الإيمان ازداد البياض فإذا استكمل الإيمان ابيض القلب كله وإن النفاق ليبدو في القلب نكتة سوداء فكلما ازداد النفاق ازداد ذلك السواد فإذا استكمل النفاق اسودَّ القلب كله.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم إذا زنى الرجل خرج منه الإيمان وكان على رأسه كالظلة فإذا أي تاب عاد إليه الإيمان أخرجه أبو داود والترمذي وزاد الترمذي قال محمد الباقر رحمه الله: تفسيره يخرج من الإيمان إلى الإسلام، أي أقلع عن الذنب وفارقه بالتوبة.
ومما يدلك على تحقيق حقيقة الإيمان المعقود هذا الفصل من أصله لأجله لأنه الأصل. ما يروى أن رجلًا من بني إسرائيل جمع ثمانين تابوتًا من العلم ولم ينتفع بعلمه فأوحى الله تعالى إلى نبيهم قل لهذا الجامع لو جمع أكثر من هذا لم ينفعه إلا أن يعمل بثلاث أن لا يحب الدنيا فليست بدار المؤمنين ولا يصاحب السلطان فليس برفيق المؤمنين ولا يؤذي أحدًا من الناس فليس بحرفة المؤمنين.
وقال صلى الله عليه وسلّم أربع من كن فيه فهو منافق خالص وإن صام صلى وزعم أنه مسلم وإن كانت فيه خصلة منهن فيه من النفاق حتى يدعها. من إذا حدث كذب. وإذا وعد أخلف. وإذا خان. وإذا خاصم فجر.
وفي لفظ آخر وإذا عاهد غدر.
قال الغزالي: إيراد هذا الحديث وقد فسر الصحابة والتابعون النفاق بتفاسير لا يخلو عن شيء منه إلا صدِّيق. إذ قال الحسن: إن من النفاق اختلاف السر والعلانية واختلاف القلب واللسان والمدخل والمخرج ومن ذا الذي يخلو عن هذه المعاني بل صارت هذه الأمور مألوفة بين الناس معتادة ونسي كونها منكرًا بالكلية بل جرى ذلك على قرب عهد بزمان النبوة فكيف الظن بزماننا هذا حتى قال حذيفة: إن كان الرجل منا ليتكلم بالكلمة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلّم فيصبر منا منافقًا وإني لأسمعها من أحدكم في اليوم عشر مرات قلت: وحذيفة هذا هو صاحب السر الذي هو حق اليقين الذي أودعه إياه سيد المرسلين يميز به بين المقبلين عليه من المؤمنين الصالحين والمنافقين الماذقين حتى إن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب كان يقول له: إذا لقيه بالله عليك يا حذيفة هل ترى في شيئًا من علامات المنافقين. فانظر إلى خوفهم من هذه العلة التي لا يكاد يتخلص منها إلا من كان كما قال الغزالي من الصديقين والمقربين. وقد أشار إليهم ربهم تعالى في كتابه المبين بقوله: {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَآ آتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ} أي أنهم يحسنون ويخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون والسلام.