(فضل الاستعانة بحول الله وقوته)
ولنذكر هنا شيئاً مما يحكي من عظيم قدرة الله وعجيب صنعه وخفي لطفه وحكيم بدعه وسرعة إجابته لمن استغاث بحوله وقوته.
حكى صاحب كتاب زهر الأكام عن بعض السادة قال: بينما أنا أطوف بالكعبة في ليلة مظلمة إذ سمعت صوتاً وأنيناً ينطق من قلب حزين وهو يقول: يا كريم يا كريم عهدك ولطفك القديم فإن قلبي على العهد مقيم.
قال: فتطاير قلبي لسماع ذلك الصوت فقصدت نحوه فإذا هي امرأة فقلت: السلام عليك يا أمة الله فقالت: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته فقلت: سألتك بالله العظيم ما العهد الديم الذي قلبك عليه مقيم. فقالت: لولا قسمك بالجبار لما أطلعتك على الأسرار انظر إلى هذا النائم بين يدي فإذا صبيٌّ يغط في نومه. خرجت وأنا حامل به لأحج بيت الله الحرام فركبت البحر في سفينة فهاجت الأمواج علينا واختلفت الرياح فكسرت السفينة فنجوت على لوح منها فوضعت هذا الصبي فجعلته في حجري فبينما أنا والصبي نائم في حجري والأمواج تضربني إذا أنا بملاح من خدام السفينة قد وصل إلي وحصل معي على اللوح وقال لي: ما زلت أهواك وأنا في السفينة وقد حصلت معك فمكنيني من نفسك وإلا رميتك من هذا العود إلى البحر فقلت له: ما كان لك فيما رأيت تذكرة وعبرة أما تخاف الله نحن في بلية لا نرجو الخلاص منها إلا بالطاعة فكيف بالمعصية فقال: قد رأيت مثل هذا مراراً فنجوت فأنا لا أبالي فلا بد من هذا الأمر وألح علي فخفت منه وأردت أن أصانعه فقلت: مهلاً حتى ينام الصبي فأخذه من حجري ورماه في البحر فلما رأيت جراءته في الصبي طار قلبي وزاد كربي فرفعت بصري نحو السماء وقلت: يا من يحول بين المرء وقلبه حل بيني وبين هذا العبد بحولك وقوتك إنك على كل شيء قدير فوعزته وجلاله ما فرغت من الكلام إلا وإذا بداية قد خرجت من البحر وفتحت فاهها فابتلعته فبقيت وحدي وزاد اشتياقي إلى الصبي فلبثت طول يومي ذلك إلى الليل فلما أصبح الصباح إذا بسفينة فأخذني أهلها من اللوح فإذا الصبي عندهم فملت إليه وقلت: ولدي والله وأخبرتهم القصة وشكرت ربي وعاهدته أن لا أبرح من بيته.
وحكى الإمام ابن عقبة قال: حدثني رجل من بني تميم قال: كان لي غلام وكنت أحيه فأنفذته ليلاً يبتاع لي أدماً فذهب يلعب مع الصبيان بعد غروب الشمس فصرع فحمل إلي فقلت له: يا هذا مالك مع ولدي فقال بلسان فصيح: هو وقت صلاتنا أو ليس قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم احفظوا صبيانكم عند غروب الشمس فقلت: بلى قال: فما بالك أرسلتيه يلعب قلت: ما أرسلته إلا ليشتري أدماً اخرج عنه بلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم فقال: النار النار وخرج منه ولم يعد.
نقله الإمام حجة الإسلام أبو حامد الغزالي نفع الله به آمين.