(خاتمة في الشكر ومعناه وما يتعلق به)
قال تعالى على لسان نبيه سليمان: لما رأى عرش بلقيس موضوعًا مستقرًا عنده ورأى ما منَّ الله به عليه من الملك العظيم مع النبوة والحكمة وغير ذلك {هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ} .
قال العلماء: ولا شك أن النعم الواصلة إلى العبد إما أن تكون سببًا للشكر وذلك إذا عرف العبد حق الحق جل شأنه وعلم أن النعم مفاضة منه وقام بما يجب فيها له تعالى فيكون شكره لله عائدًا إليه بمعنى لئن شكرتم لأزيدنكم، وإما أن تكون النعمة سببًا للكفر بواسطة الجهل بالله عز وجل وعدم المعرفة بوصول النعم منه إليه وعدم قيامه بما يجب عليه فيها. وكفر العبد لا يضر بالمولى جل شأنه لكونه سبحانه غنيًا عن العالمين كما قال ذلك في كتابه المبين انتهى.
قلت: ولا تظنن أن الشكر قولك الحمد لله مع التقصير بالحقوق وعدم المواساة. ولا الإسلام قولك لا إله إلا الله بغير قيام بحقها. ولا الاستغفار قولك: أستغفر الله مع مقارفة الذنوب والإصرار عليها وهكذا في سائر الأذكار والأعمال والأقوال والأفعال فإن ذلك قليل الجدوى. وقد قال تعالى: {كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُواْ مَا لاَ تَفْعَلُونَ} . وقال تعالى: {وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ} الآية.
وقد كان بشر الحافي رحمه الله يقول: من شكر بلسانه دون بقية أعضائه فقد قلَّ شكره: قيل: وما شكر الأعضاء فقال: شكر العينين أن ترى الخير وتعيَه. والشر وتسترَه قيل: فما شكر الأذنين فقال: إن سمع خيرًا حفظه وإن سمع شرًا نسيه قيل: فما شكر اليدين أن لا تأخذ بهما ولا تعطي إلا حقًا. قيل: فما شكر البطن فقال: أن تكون ملأنة من العلم والحِكَم قيل: فما شكر الفرج فقال: أن لا يفعل به إلا ما أبيح له فقط فمن فعل ما قلناه فهو من الشاكرين انتهى.
وقال بعضهم بعد إيراده كلام بشر ففتش نفسك يا أخي هل شكرت ربك كما شكر هؤلاء القوم أم قصرت في ذلك واستغفر ربك والحمد لله رب العالمين.
وقد قيل: الشكر على الشكر أتم الشكر وذلك بأن ترى شكرك بتوفيقه ويكون ذلك التوفيق من أجلِّ النعمة فتشكره على الشكر ثم تشكره على شكر الشكر إلى ما يتناهى وقد قال الشيخ عبد الله بن أسعد اليافعي نفح الله به.