(معنى الحمد والشكر والمدح)
واعلم وفقنا الله وإياك لشكره. والإكثار من ذكره أن معنى قولك: الحمد لله هو الثناء على المحمود بحميد صفاته على الإطلاق. والشكر الثناء بأنعامه خاصة والمدح يشملهما. ونقيض الحمد الدم، ونقيض الشكر الكفر. وهما متلازمان. ولذلك قال صلى الله عليه وسلّم ما شكر الله عبد لم يحمده. وفي الحقيقة هما بمعنى واحد. وقد فسر ابن عباس قوله تعالى: الحمد لا إله إلا لله رب العالمين بالشكر لله تعالى. ويفترقان من حيث وضع اللسان فالشكر في مقابلة النعم. والحمد يكون في مقابلة النعم وغيرها. والشكر يكون بالجنان واللسان والأركان. قال الشاعر:
أفادتكم النعماء مني ثلاثة
يدي ولساني والضمير المحجبا ... والحمد يختص باللسان.
قال موسى عليه السلام: كيف شكَركَ آدم: يا رب على ما أنعمت عليه فقال: علم أن ذلك مني فكان شكرًا «فهذا شكر الجنان» .
وقال داود عليه السلام: سبحان من جعل اعتراف العبد بالعجز عن شكره شكرًا كما جعل اعترافه بالعجز عن معرفته معرفة.
وقال صلى الله عليه وسلّم ما شكر الله عبد لم يحمده «فهذا شكر اللسان» .
وقال صلى الله عليه وسلّم لما قيل له: قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر فَلِمَ تجهد نفسك في العبادة قال: أفلا أكون عبدًا شكورًا «فهذا شكر الأركان» .
وقال الشيخ تقي الدين ابن دقيق: العيد والذي يتحرر أن الشكر يطلق على القول والفعل جميعًا. قال الله تعالى: {اعْمَلُواْ آلَ دَاوُودَ شُكْرًا} والحمد يختص بالقول قال الله تعالى: {وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا} فإذا نظرنا إليهما بالنسبة إلى القول خاصة كان الحمد أعم في هذا المحل لأنه يحمد على الصفات الجميلة وعلى الإحسان الصادر منه.
وقال سعد الدين التفتازاني: الحمد هو الثناء باللسان على قصد التعظيم سواء تعلق بالنعمة أو بغيرها والشكر فعل ينبئ عن تعظيم النعم لكونه منعمًا سواء كان باللسان أو بالجنان أو بالأركان فَمَوْرد الحمد لا يكون إلا باللسان ومتعلقة يكون النعمة وغيرها. ومتعلق الشكر لا يكون إلا النعمة ومورده يكون اللسان وغيره فالحمد أعم من الشكر باعتبار المتعلق وأخص باعتبار المورد والشكر بالعكس.
وقال الإمام الغزالي في منهاج العابدين: إن الحمد من أشكال التسبيح والتهليل فيكون من المساعي الظاهرة. والشكر من أشكال الصبر والتفويض فيكون من المساعي الباطنة ولأن الشكر يقابل الكفران والحمد يقابل اللوم ولأن الحمد أعم وأكثر الشكر أخص وأقل. قال الله تعالى: {وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ} فثبت أنهما معنيان متميزان اهـ، وفي قوله: إن الحمد من أشكال التسبيح والتهليل إشارة إلى اختصاصه بالله تعالى كاختصاصهما به بخلاف الشكر والله أعلم.