وقال الشيخ محمد بن عباد في شرح الحكم الشكر على ثلاثة أوجه: شكر بالقلب وشكر باللسان وشكر بسائر الجوارح. فشكر القلب أن يعلم أن النعم كلها من الله تعالى: {وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ} وشكر اللسان الثناء على الله تعالى وكثرة الحمد والمدح له.
ويدخل فيه التحدث بالنعم وإظهارها ونشرها. قال الله تعالى {وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ} .
وقال عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه تذاكروا النعم فإن ذكرها شكر ومن شكر باللسان أيضًا شكر الوسائط بالثناء والدعاء لهم.
وفي الحديث النعمان بن بشير رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلّم قال: من لم يشكر القليل لم يشكر الكثير، ومن لم يشكر الناس، لم يشكر الله تعالى.
وعن أسامة بن زيد رضي الله عنه قال. قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم أشكر الناس لله أشكرهم للناس، وشكر سائر الجوارح أن يعمل بها العمل الصالح قال الله تعالى: {اعْمَلُواْ آلَ دَاوُودَ شُكْرًا} فجعل العمل شكرًا وروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم أنه قام حتى انتفخت قدماه فقيل: يا رسول الله أتفعل هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر فقال: أفلا أكون عبدًا شكورًا.
وسأل رجل أبا حازم رضي الله عنه وقال له: ما شكر العينين؟ قال: إذا رأيت بهما خيرًا أعلنته وإذا رأيت بهما شرًا سترته.
قال فما شكر الأذنين؟ قال: إذا سمعت بهما خيرًا وعيته وإذا سمعت بهما شرًا دفنته قال: فما شكر البطن؟ قال: أن يكون أسفله صبرًا وأعلاه علمًا قال: فما شكر الفرج؟ قال: كما قال تعالى: {وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ}
قال: فما شكر الرجلين؟ قال: إن رأيت شيئًا غبطته استعملتهما عليه وإن رأيت شيئًا مقته كففتهما عن عمله وأنت شاكر لله تعالى إلى آخر ما ذكره الشيخ محمد بن عباد في هذا الباب.
(حكاية عجيبة)
يستدل بها على دوام النعمة للشاكرين وذهابها عن الكافرين. وهي ما حكاه القاضي ابن خلكان في تاريخه ونقله الدميري في كتاب حياة الحيوان وهي أن رجلًا من الأولين كان يأكل وبين يديه دجاجة مشوية فجاءه سائل فرده خائبًا وكان الرجل مثريًا فوقع بينه وبين زوجته فرقة وذهب ماله وتزوجت امرأته فبينما الزوج الثاني يأكل وبين يديه دجاجة مشوية إذ جاءه سائل فقال لامرأته: ناوليه الدجاجة فناولته ونظرت إليه فإذا هو زوجها الأول فأخبرت زوجها الثاني بأمره فقال: وأنا والله ذلك المسكين خولني الله تعالى نعمة وسلبه إياها لقلة شكره.
وقد قال إبراهيم الخواص رضي الله عنه لا يصح الفقر للفقير حتى تكون فيه خصلتان إحداهما الثقة بالله تعالى والأخرى الشكر لله فيما زوي عنه مما ابتلي به غيره من الدنيا.
ولا يكمل الفقر حتى يكون نظر الله تعالى له في المنع أفضل من نظره له في العطاء، وفي بعض الكتب أن الدراج يقول في صياحه: بالشكر تدوم النعم. قالوا: وصوته مقطَّع على عدد هذه الكلمات.