ثم قال آخره: فهذه مداخل الشيطان إلى القلب ولو أردتُ استقصاء جميعها لم أقدر عليه ففي هذا القدر ما ينبه على غيره. فليس في الآدمي صفة مذمومة إلا وهي سلاح للشيطان ومدخل من مداخله.
ثم قال: فإن قلت: فما العلاج في دفع الشيطان وهي يكفي ذكر الله تعالى وقول الإنسان لا حول ولا قوة إلا بالله. فاعلم: أن علاج ذلك إنما هو بسد هذه المداخل بتطهير القلب من هذه الصفات المذمومة مما يطول ذكره. ولكن إذا قطعت من القلب أصول هذه الصفات كان للشيطان بالقلب اجتيازات وخطرات ولم يكن له استقرار، ويمنعه من الاجتياز ذكر الله تعالى لأن حقيقة الذكر لا تتمكن من القلب إلا بعد عمارة القلب بالتقوى وتطهيره من الصفات المذمومة وإلا فيكون الذكر حديث نفس لا جدوى له ولا سلطان على القلب فلا يدفع سلطان الشيطان عنه ولذلك قبل الله عز وجل {إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ} فخصص ذلك بالمتقي.
ثم قال الإمام: حجة الإسلام ومثل الشيطان مثل كلب ضار جائع يقرب منك فإذا لم يكن بين يديك لحم أو خبز فإنه ينزجر بأن تقول له: اخسأ فمجرد الصوت يدفعه. فإن كان بين يديك شيء من ذلك وهو جائع فإنه يهجم عليه ولا يندفع بمجرد الكلام. فإن القلب الخالي عن فوت الشيطان يندفع عنه بمجرد الذكر فأما الشهوة إذا غلبت على القلب دفعت حقيقة الذكر إلى حواشي القلب فلم يتمكن من سويدائه فيستقر الشيطان في سويداء القلب.
وأما قلوب المتقين الخالية عن الهوى والصفات المذمومة فإنه يطرقها الشيطان لا للشهوات بل لخلوها بالغفلة عن الذكر فإذا عاد إلى الذكر خنس الشيطان ودليل ذلك قوله تعالى فاستعذ بالله الآية.
وسائر الآيات والأخبار الواردة في ذلك. قال الحسن: أخبرت أن جبريل عليه السلام أتى النبي صلى الله عليه وسلّم فقال: إن عفريتًا من الجن يكيدك فإذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي وقال عليه السلام: ما سلك عمر فجًَّا إلا سلك الشيطان فجًا غير فجه.
ثم قال الإمام حجة الإسلام. وهذا لأن هذه القلوب كانت مطهرة عن مرعى الشياطين وهي الشهوات فمهما طمعت أن يندفع الشيطان عنك بمجرد الذكر بغير تقوى كما اندفع عن عمر كان محالًا وكنت كمن يطمع في أن يشرب دواء قبل الاحتماء والمعدة مشحونة بغليظ الأطعمة ويطمع أن ينفعه الدواء كما نفع الذي شر به بعد الاحتماء وتخلية الباطن. فالذكر دواء والتقوى احتماء يخلي القلب من الشهوات. فإذا نزل الذكر قلبًا فارغًا عن غير الذكر اندفع الشيطان كما تندفع العلة بنزول الدواء في معدة خالية عن الأطعمة. قال تعالى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ} وقال تعالى: {كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَن تَوَلاَّهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ} .
ثم قال: ومن يساعد الشيطان بعمله فقد تولاه وإن ذكر الله بلسانه وقال: وإن كنت تقول الحديث قد ورد مطلقًا بأن الذكر يطرد الشيطان ولم تفهم أن أكثر عمومات الشرع مخصوصة بشروط يعرفها علماء الدين فانظر إلى نفسك فليس الخبر كالمعاينة وتأمل أن منتهى ذكرك وعبادتك صلاتك فراقب قلبك إذا كنت في صلاتك، كيف يتجاذبه الشيطان إلى الأسواق؟ وحساب المعاملين وجواب المعاندين، وكيف يمر بك في أودية الدنيا ومهالكها حتى إنك لا تتذكر ما نسيته من فضول الدنيا إلا في صلاتك؟ ولا تزدحم الشياطين على قلبك إلا إذا صليت، والصلاة محك القلوب وبها تظهر مساويها ومحاسنها فالصلاة لا تقبل من القلوب المشحونة بشهوات الدنيا، فإن شئت الخلاص من الشياطين فقدم الاحتماء بالتقوى ثم أردفه بدوام الذكر، يفرُّ الشيطان منك كما فر من عمر رضي الله عنه.
ولذلك قال وهب بن منبه رضي الله عنه: اتق الله ولا تسب الشيطان في العلانية وأنت صديقه في السر، أي مطيع الله، وقال بعضهم: يا عجبًا لمن عصى المحسن بعد معرفته بإحسانه. ويطيع اللعين بعد معرفته بطغيانه.
ثم قال حجة الإسلام: فكما أن الله قال: ادعوني أستجب لكم. وأنت تدعو فلا يستجاب لك، فكذلك تذكر الله ولا يهرب الشيطان منك لفقد شروط الذكر والدعاء انتهى كلام الغزالي.