(مداخل الشيطان إلى القلب)
خاتمة مهمة: قال حجة الإسلام في الإحياء بيان تفصيل مداخل الشيطان إلى القلب اعلم أن القلب مثال حصن والشيطان عدو يريد أن يدخل الحصن فيملكه ويستولي عليه. ولا يقدر على حفظ الحصن من العدو إلا بحراسة أبواب الحصن ومداخله ومواضع ثلمه ولا يقدر على حراسة أبوابه من لا يعرف أبوابه ومداخله. وحماية القلب من فساد الشيطان ووساوسه واجبة وهي فرض عين على كل عبد مكلف وما لا يتوصل إلى الوجاب إلا به فهو أيضًا واجب ولا يتوصل إلى دفع الشيطان إلا بمعرفة مداخلة فصارت معرفة مداخل الشيطان واجبة، ومداخل الشيطان وأبوابه هي صفات العبد يعني المذمومة وهي كثيرة ولكنا نشير إلى الأبواب العظيمة الجارية مجرى الدروب التي لا تضيق عن كثرة جنود الشيطان قمن أبوابه العظيمة الحسد والحرص: وبهما لعن إبليس فصار شيطانًا رجيمًا ومنها: الغضب والشهوة فإن الغضب غول العقل فإذا غضب الإنسان لعب به الشيطان كما يلعب الصبي بالسكرة فإذا غضبت فاذكر أن هذا منه ومنها: حب التزين من الثياب والأثاث والدار. فإن الشيطان إذا رأى ذلك غالبًا على قلب الإنسان باض فيه وفرخ ومنها: الشبع من الطعام وإن كان حلالًا صافيًا فإن الشبع يقوي الشهوات وهي أسلحة الشيطان ومنها: ترك التثبت في الأمر قال النبي صلى الله عليه وسلّم العجلة من الشيطان. والتأني من الله ومنها: الدراهم والدنانير وسائر أصناف الأموال من العروض والدواب والعقار فإن كل ما يزيد على قدر القوت والحاجة فهو مستقر للشيطان وكل شيء منها يجر إلى شيء آخر حتى يقع الإنسان في هاوية آخرها عمق جهنم ولا آخر لها سواه ومنها: البخل وخوف الفقر فإن ذلك هو الذي يمنع من الإنفاق والتصدق ويدعو إلى الإدخار والكنز والعذاب الأليم وهو الموعود للمكائرين كما نطق به القرآن العظيم ومنها: التعصب للمذاهب والحقد على الخصوم والاشتغال بذكر نقصانهم والنظر إليهم بعين الازدراء والاستحقار وذلك مما يهلك الفساق والعبَّاد جميعًا وقد كان سيدنا أبو بكر الصديق يضع حصاة في فيه تمنعه الكلام فيما لا يعنيه ومنها: حمل العوام الذين لم يمارسوا العلم ولم يتبحروا فيه على التفكر في ذات الله تعالى وفي صفاته وفي أمور لا يبلغها حد عقولهم حتى يشككهم بذلك في أصل الدين أو يخيل إليهم في ذات الله تعالى خيالات يتعالى الله عنها فيصير بها كافرًا أو مبتدعًا وهو به فرح مسرور مبتهج بما وقع في صدره يظن أن ذلك هو المعرفة والبصيرة وأن ذلك انكشف له بزيادة عقله وذكائه وأشد الناس حماقاته أقوالهم اعتقادًا في عقل نفسه. وأثبت الناس عقلًا أشدهم اتهامًا لنفسه وظنه وأحرصهم على السؤال من العلماء. ومنها: سوء الظن بالمسلمين. قال تعالى: {ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اجْتَنِبُواْ كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ} ومن حكم على غيره بشرِّ بمجرد الظن بعثه الشيطان على أن يطول فيه لسانه بالغيبة فيهلك أو يقصر في القيام بحقوقه أن يتوانى في إكرامه وينظر إليه بعين الاحتقار ويرى نفسه خيرًا منه وكل ذلك من المهلكات وقد منع الشرع من التعرض لمواضع التهم، ولهذا يجب الاحتراز عن ظن السوء وعن تهمة الأشرار فإن الأشرار لا يظنون بالناس إلا شرًا فإذا رأيت إنسانًا يسيء الظن بالناس طالبًا للعيوب فاعلم أنه خبيث في الباطن فإن المؤمن يطلب المعاذير. والمنافق يطلب الغيوب. والمؤمن سليم الصدر في حق كافة الخلق انتهى مختصرًا من كلام الغزالي.