فالجواب: أن هذا باطل فقد انتشر تعظيم القبور و الغلو في الصالحين منذ بدايات القرن الثالث و انتشر في جميع ديار الإسلام.
و جميع ما يؤاخذ على العثمانيين قد وقع قبلهم عند المماليك و متأخري العباسيين، فما سمعنا و لا قرأنا عن عالم واحد كفر تلك الدول أ, أفتى بسفك دماء عساكرها و جنودها. بما فيهم شيخ الإسلام ابن تيمية و تلاميذه، مع كثرة ما تكلموا في هذا و أوذوا في سبيله. و مع هذا فابن تيمية يفتي أن الطائفة المنصورة في زمانه في الشام و مصر، و هم سلاطين المماليك الذين منهم قاهر التتار سيف الدين قطُز، و قاهر الصليبيين الظاهر بيبرس، رحمهما الله تعالى. أفما قامت عليهم الحجة بما كتبه ابن تيمية و ابن القيم و ابن عبد الهادي و غيرهم، و هم كانوا حفاظ الدنيا و أئمة الوقت دون منازع و لا مجادل من أحد؟!
هذا و ابن تيمية لقي الملوك و كلمهم، أما ابن عبد الوهاب فما لقي أحدًا من ملوك وقته و لا اقترب منهم، فقد كان في وسط نجد و هم كانوا في أقصى (إسلامبول) و في (القاهرة) مصر.
و إذا لم تكفر الدولة فلأن لا يكفر موالوها أولى و أولى.
و هب أن الدولة العثمانية كفرت، فكيف تكفر عساكرها و مُوالوها و هم عند أنفسهم و بفتاوى كبار أئمة الدين في زمانهم من أمثال ابن عابدين و غيره، خلفاء الإسلام و نواب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، و النجديون عندهم بغاة خارجون على ولي الأمر، و قد علمت الأحاديث الواردة في النهي عن منازعة الولاة الأمر و ما اتفق عليه أهل السنة و الجماعة من النهي عن الخروج على السلاطين و لو جلدوا ظهورنا و أخذوا أموالنا؟!
نَعم، قد زاد متأخرو النجديين مناطًا آخر لتكفير متأخري العثمانيين و هو تحكيم القانون الوضعي في أبواب الجنايات و تسويتهم بين المسلمين و اليهود و النصارى من رعايا الدولة، و قد وقفت على كلام لعبد اللطيف بن عبد الرحمن في الحض على جهاد العثمانيين في الأحساء لتحكيم قانون"الرومان و شرائع اليونان"، كما في «الرسائل و المسائل النجدية» ، و لعلها أيضًا في «الدرر السنية» .
و قد أساء السلاطين المتأخرون إلى دولتهم بتأثرهم بالأفرنج حتى فعلوا ذلك، و فتقوا على أنفسهم فتقًا لا يرقع، حتى انتهت دولتهم جزاءً و فاقًا {و ما كان ربك مهلك القرى بظلم و أهلها مصلحون} .و قد أفقدوا بذلك هيبتهم من قلوب المسلمين و كثرت الثورات عليهم بهذه الذريعة كما فعل الزيدية في اليمن و كما فعل الحسين بن علي الهاشمي أمير مكة و الحجاز. فلما أراد السلطان عبد الحميد الثاني، رحمه الله، رتق الفتق، وجد الخرق اتسع على الراقع.
ألا فليأخذ العبرة كل الحكام الذين استمدوا شريعتهم من الإسلام، ثم تركوا دين الله تعالى، و رفضوا شرائعه، فإن سنة الله القدرية لا تحابي أحدًا {إن تنصروا الله ينصركم} ، {و اتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة} .
و القرآن ملئ بهذه المعاني لمن تدبره، و كذلك تواريخ الأمم و الدول.