الفصل الرابع:-
اتفاق جميع المنتسبيبن للقبلة على أن الإنسان لا يكون مسلما حتى يكفر بالطاغوت
وهذا الأصل ـ أعني اشتراط الكفر بالطاغوت للدخول في الإسلام ـ يتفق معنا عليه حتى أهل البدع من المرجئة و الخوارج والمتكلمين وغيرهم وإنما وقع النزاع والخلاف في بعض الأعيان والأفراد هل هو داخل في عموم جنس الطاغوت أم خارجا ًعنه فأصلوا على ذلك وفرعوا تضليلا ً وتبديعا ً ولم يهتدوا إلى طريق الحق سبيلا ً قال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى:"وقد عُلم بالاضطرار من دين الرسول - صلى الله عليه وسلم - واتفقت عليه الأمة أن أصل الإسلام وأول ما يؤمر به الخلق شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا ً رسول الله فبذلك يصير الكافر مسلما ً والعدو وليا ً والمباح دمه وماله معصوم الدم والمال ثم إن كان ذلك من قلبه فقد دخل في الإيمان وإن قاله بلسانه دون قلبه فهو في ظاهر الإسلام دون باطن الإيمان".
[نقلا ًمن تيسير العزيز الحميد: 101]
وقال النووي رحمه الله تعالى:"واتفق أهل السنة من المحدثين والفقهاء والمتكلمين على أن المؤمن الذي يحكم بأنه من أهل القبلة ولا يخلد في النار لا يكون إلا من اعتقد بقلبه دين الإسلام اعتقادا ً جازما ً خاليا ًمن الشكوك". [النووي شرح البخاري: 130]
"والتوحيد: هو الكفر بكل طاغوت عبده العابدون من دون الله ... لأن الكفر بالطاغوت ركن التوحيد فإذا لم يحصل هذا الركن لم يكن موحدا ً والتوحيد هو أساس الإيمان الذي تصلح به جميع الأعمال وتفسد بعدمه".
[فتح المجيد: شرح باب قوله تعالى: (ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم أمنوا) ]
"فلما كان الكلام في بيان معنى لا إله إلا الله فإن الله تعالى هو الذي تولى بيانه في مواضع من الكتاب وأجمعت عليه الرسل من أولهم إلى آخرهم كما قال تعالى: {وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون} وقال: {لقد بعثنا في كل أمة رسولًا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت} بل القرآن كله في بيان معناها كما قال تعالى: {إذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني برآء مما تعبدون إلا الذي فطرني فإنه سيهدين * وجعلها كلمة ً باقية ً في عقبه لعلهم يرجعون} الكلمة هي لا إله إلا الله بإجماع المفسرين والرجوع إليها من البراءة من عبادة كل معبود سوى الله وإخلاص العبادة له كقول إمام الحنفاء عليه الصلاة والسلام في هذه الآية وهو معنى قوله تعالى: {فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم} وقوله تعالى: {والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها وأنابوا إلى الله} وهذه كلمة دلت على البراءة من الشرك والكفر تضمنا ً ودلت على إخلاص العبادة لله تعالى مطابقة ًقال تعالى: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} وهذه الكلمة العظيمة لفظ له حقيقة ومعنى وُضعت من أجله باللسان العربي الفصيح وكل لفظ وضع لمدلوله الذي وضع له لأجل الدلالة عليه والواضع وضع الألفاظ دالة"