بسم الله الرحمن الرحيم
الباب الأول:
في وجوب التفريق في العذر بالجهل بين عدم الكفر بجنس الطاغوت و الجهل ببعض أنواعه و أفراده.
الفصل الأول: تعريف الطاغوت
واسم الجنس: هو اللفظ العام الذي اشتمل على أنواع ٍ كثيرةٍ وأفرادٍ عديدةٍ ويصح استعماله على كل فرد من أفراده.
"وأما تعريف الطاغوت: فهو مشتق من طغا، وتقدير طغوت، ثم قلبت الواو ألفًا. قال النحويون: وزنه فعلوت، والتاء زائدة قال الواحدي: قال جميع أهل اللغة: الطاغوت كل ما عبد من دون الله، يكون واحدًا وجمعًا، ويذكر ويؤنث قال تعالى:"
{يُرِيدُون أَنْ يتحاكموا إلى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا به} النساء (60)
وقال تعالى في الجمع: {والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات} البقرة (257) وقال تعالى في المؤنث: {والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها} الزمر (17) وقال الليث وأبوعبيدة والكسائي وجماهيرأهل اللغة: الطاغوت: كل ما عبد من دون الله وقال الجوهري: الطاغوت: الكاهن والشيطان وكل رأس في الضلال وقال مالك وغير واحد من السلف والخلف: كل ما عبد من دون الله فهو طاغوت وقال عمر بن الخطاب وابن عباس رضي الله عنهما وكثير من المفسرين الطاغوت: الشيطان قال ابن كثير: وهو قول قوي جدًا، فإنه يشمل كل ما عليه أهل الجاهلية من عبادة الأوثان، والتحاكم إليها والاستنصار بها.
وقال الواحدي عند قول الله تعالى: {يؤمنون بالجبت والطاغوت} النساء (51) . كل معبود من دون الله فهو جبت وطاغوت قال ابن عباس في رواية عطية: الجبت: الأصنام، والطاغوت: تراجمة الأصنام الذين يكونون بين أيديهم، يعبرون عنها الكذب ليضلوا الناس وقال في رواية الوالبي: الجبت: الكاهن، والطاغوت: الساحر وقال بعض السلف في قوله تعالى: {يُرِيدُون أَنْ يتحاكموا إلى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا به} النساء (60) إنه كعب بن الأشرف وقال بعضهم: حييّ بن أخطب , وإنما استحقا هذا الاسم لكونهما من رؤوس الضلال , ولإفراطهما في الطغيان , وإغوائهما الناس , ولطاعة اليهود لهما في معصية الله فكل من كان بهذه الصفة فهو طاغوت. قال ابن كثير رحمه الله تعالى: {يُرِيدُون أَنْ يتحاكموا إلى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا به} النساء (60) الآية أعم من ذلك كله فإنها ذامة لمن عدل عن الكتاب والسنة وتحاكم إلى ما سواهما من الباطل وهو المراد بالطاغوت هاهنا.
فتحصل من مجموع كلامهم ـ رحمهم الله ـ أن اسم الطاغوت يشمل كل معبود من دون الله , وكل رأس في الضلال يدعو إلى الباطل ويحسنه , ويشمل أيضًا كل من نصبه الناس للحكم بينهم بأحكام الجاهلية المضادة لحكم الله ورسوله , ويشمل أيضًا الكاهن والساحر , وسدنة الأوثان إلى عبادة المقبورين وغيرهم بما يكذبون من الحكايات المضللة للجهال الموهمة أن المقبور ونحوه يقضي حاجة من توجه إليه وقصده وأنه