الرابع: معناه أنه يؤول إلى الكفر فإن المعاصي - كما قالوا - بريد الكفر، ويخاف على المكثر منها أن يكون عاقبة شؤمها المصير إلى الكفر. ويؤيده رواية أبى عوانة في مستخرجه على مسلم: (فإن كان كما قال وإلا فقد باء بالكفر) .
الخامس: فقد رجع بكفره، وليس الراجع حقيقة الكفر بل التكفير كونه جعل أخاه المؤمن كافرا، فكأنه كفّر نفسه، إما لأنه كفر من مثله وإما لأنه كفر من لا يكفره إلا كافر يعتقد بطلان الإسلام. انتهى
وقال ابن دقيق العيد في قوله صلى الله عليه وسلم: (من دعى رجلا بالكفر وليس كذلك إلا حار عليه) ؛ (أي رجع عليه. وهذا وعيد عظيم لمن كفر أحدا من المسلمين، وليس هو كذلك , وهي ورطة عظيمة وقع فيها خلق من العلماء اختلفوا في العقائد وحكموا بكفر بعضهم بعضا) .
ثم نقل عن الأستاذ أبي إسحاق الاسفرائيني أنه قال: (لا أكفر إلاّ من كفرني) .
قال: (وربما خفي هذا القول على بعض الناس وحمله على غير محمله الصحيح، والذي ينبغي أن يحمل عليه أنه لمح هذا الحديث الذي يقتضي أن من دعى رجلا بالكفر وليس كذلك رجع عليه الكفر، وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم:(من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما) .
وكان هذا المتكلم - أي أبو إسحاق - يقول: الحديث دل على أنه يحصل الكفر لأحد الشخصين إما المكفِّر وإما المكفَّر فإذا كفرني بعض الناس فالكفر واقع بأحدنا وأنا قاطع أني لست بكافر، فالكفر راجع عليه) انتهى.
وظاهر كلام أبي إسحاق أنه لا فرق بين المتأول وغيره، والله أعلم.
وما نقله القاضي عن مالك من حمله الحديث على الخوارج موافق لإحدى الروايتين عن أحمد في تكفير الخوارج، اختارها طائفة من الأصحاب وغيرهم لأنهم كفروا كثيرا من الصحابة واستحلوا دماءهم وأموالهم متقربين بذلك إلى الله تعالى، فلم يعذروهم بالتأويل الباطل، لكن أكثر الفقهاء على عدم كفرهم لتأويلهم، وقالوا: من استحل قتل المعصومين وأخذ أموالهم بغير شبهة ولا تأويل كفر. وأن كان استحلاله ذلك بتأويل كالخوارج لم يكفر، والله أعلم وأحكم.