فهرس الكتاب

الصفحة 56 من 84

[الكاتب: محمد رشيد رضا]

حضرة الأستاذ الجليل، إمام المسلمين، ومحيي شريعة سيد المرسلين؛ الشيخ رشيد أفندي رضا المحترم:

السلام عليكم.

وبعد ...

فقد قرأت في العدد الرابع من المجلد الثلاثين في مجلتكم الغراء ما يأتي:

(بعد ما ذكر الله في كتابه أن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا هم أعظم درجة وأسمى مقامًا من الذين يسقون الحاج ويخدمون البيت، قلتم في تفسير هذه الآية التي تؤدي هذا المعنى؛ لا مراء في كون هذين العملين من أعمال البر التي يكون لصاحبها درجة عند الله إذا فعلا ما يرضي الله، ولذلك أقرهما الإسلام دون غيرهما من وظائف الجاهلية، ولكن الشرك يحبطهما ويحبط غيرهما من أعمال البر التي كانوا يفعلونها كما تقدم) اهـ.

فالعجبُ كيف يُحْبِطُ الشركُ الأعمالَ التي هي بحد ذاتها حسنة خيرية، والله لا يضيع للإنسان مثقال ذرة من خير أو شر، كما جاء في قوله تعالى: {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَراًّ يَرَهُ} [الزلزلة: 7 - 8] ، وعدل الله أجلُّ من أن يجعل المشرك الذي يفسد في الأرض كالمشرك الذي يعمل الأعمال الخيرية.

ومعلوم أن كلمة"مَن"عامة - كما هو معلوم من علم الأصول - تعم المؤمن والمشرك.

فالرجاء نشر الجواب على صفحات مجلتكم الغراء، ودمتم.

الجواب:

أما الدليل على الحبوط:

فآيات صريحة في القرآن، منها قوله تعالى: {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} [الزمر: 65)، {وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الأنعام: 88] ، {وَمَن يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الخَاسِرِينَ} [المائدة: 5] ، {فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلاَ نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ وَزْنًا} [الكهف: 105] .

وأما وجهه المعقول:

فهو أن الشرك بالله والكفر بأصول الدين - من الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر - يفسد الأنفس البشرية ويدنسها دنسًا لا تؤثر معه الأعمال البدنية في إزالته وتزكية الأنفس منه، بل تكون كقليل من الماء أو نقط من العطر تُلقَى في مجتمع القذر من الكنيف، لا يكون لها أدنى تأثير في تطهيره، فضلًا عن تطييبه.

وأما قوله: {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ ... إلخ} [الزلزلة: 7] :

فيجيب عنه العلماء؛ بأنه عام مخصوص بغير المشركين والكافرين، وقالوا: إنهم يُجزَوْن في الدنيا على أعمالهم الحسنة.

ولكن موضوع النص؛ أن كل أحد يعرض عليه يوم الجزاء ما عمل من خير فيراه في الحساب الذي يترتب عليه الجزاء.

فإذا وُزنت أعمال المشرك الحسنة مع شركه وما له من سوء التأثير في تدنيس نفسه بالخرافات والسيئات؛ تطيش كِفَّة تلك الحسنات، فيكون معنى حبوط عمله أنه لا يرى له تأثيرًا في النجاة من العذاب ودخول الجنة، فكأنه لا وجود له إلا أن يكون في كون عذابه يكون دون عذاب مَن لم يعمل تلك الأعمال.

وبهذا تنتفي المساواة بين المشركين المنافية للعدل.

وقد بيَّنا في الكلام على الجزاء؛ أن عذاب الكفار في النار يتفاوت بحسب أعمالهم وما كان لها من التأثير في أنفسهم، كغيرهم، إلا أنها لا تبلغ درجة أقل المؤمنين عملًا صالحًا.

وقد ورد في أصحاب المعاصي من المسلمين؛ أن أصحاب الحقوق عليهم من العباد يأخذون من حسناتهم بقدر حقوقهم عليهم، فإذا لم تفِ بها؛ حملوا من أوزارهم بقدر ما بقي منها، وورد في الحديث تسمية هؤلاء بـ"المفلسين".

ولكن مَن مات على الإيمان الصحيح لا بد أن تكون عاقبته الخروج من النار إذا عُذب فيها بمعاصيه، ثم يدخل الجنة.

مجلة المنار، المحرم/1348 هـ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت