أريد معرفة ضوابط التكفير؟
الجواب:
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه.
وبعد ...
فهذه مسألة عظيمة زلت فيها أقدام وضلت فيها أفهام، فنسأله تعالى أن يهدينا للحق بإذنه إنه يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
واعلم وفقك الله:
أولًا؛ أن الحكم على إنسان بالكفر أمر من الخطورة بمكان عظيم:
لأن المرء يكون به حلال الدم بعد أن كان معصومًا.
قال صلى الله عليه وسلم: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فمن قال لا إله إلا الله عصم مني دمه وماله إلا بحقه وحسابه على الله) [متفق عليه] ، وفي رواية: (حتى يشهدوا ألا إله إلا الله ويؤمنوا بي وبما جئت به) .
وقال صلى الله عليه وسلم: (أيما رجل قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما) [متفق عليه] .
ثانيًا؛ يثبت وصف الإسلام للمعين ابتداء بمجرد الإقرار:
سواء كان ذلك بالنطق بالشهادتين - أو بما يقوم مقامهما عند العجز عن النطق بمها لعجمة أو بكم
ولا بد من التركيز على حقيقة مهمة وهي أن القول بأن وصف الإسلام يثبت للمعين بمجرد نطقه بالشهادتين لا يعني أن إقراره ذلك ليس له مقتضيات يلزم بتحقيقها؛ حيث إن أهل السنة في هذه المسألة وسط بين منهجين متناقضين:
أ) منهج يرى أصحابه أن مجرد الإقرار والنطق بالشهادتين أو التظاهر ببعض شعائر الإسلام وخصائصه لا يكفي للحكم لأحد بالإسلام، بل لابد من التبين عما يرونه حد الإسلام الأدنى.
ب) منهج يرى أصحابه أن مجرد النطق بالشهادتين يكفي لثبوت وصف الإسلام وبقاء ذلك الوصف ولو لم يحقق مقتضى ذلك الإقرار بالالتزام بالعمل الظاهر.
وأما المنهج الحق - منهج أهل السنة - فهو التفرقة بين ما يلزم لثبوت وصف الإسلام للمعين ابتداء وبين ما يلزم لبقاء ذلك الوصف واستمرار الحكم به للمعين.
ثالثًا؛ أنه يجب أن يفرق بين الحكم والمعين:
فليس كل من تلبس بشيء من مظاهر الكفر يكون بالضرورة كافرًا، بل لابد من التفريق بين الحكم على الفعل بأنه كفر، وبين الحكم على الفاعل بأنه كافر، للاختلاف في متعلق كل من الأمرين.
فالحكم على الفعل الظاهر بأنه كفر متعلق ببيان الحكم الشرعي مطلقًا، وأما الفاعل فلابد من النظر إلى حاله، لاحتمال طروء عارض من العوارض المانعة من الحكم بكفره من جهل أو إكراه أو غيره ذلك، ويتلخص هذا في قيام الحجة على المعين بحيث لا يكون معذورًا بجهل أو تأويل أو إكراه.
قال ابن تيمية رضي الله عنه: (ليس لأحد أن يكفر أحدًا من المسلمين وإن أخطأ وغلط حتى تقام عليه الحجة وتبين له المحجة، ومن يثبت إسلامه بيقين لم يزل ذلك عنه بالشك، بل لا يزول إلا بعد إقامة الحجة وإزالة الشبهة) .
وقال أيضا: (إن التكفير له شروط وموانع قد تنتفي في حق المعين، وإن تكفير المطلق لا يستلزم تكفير المعين إلا إذا وجدت الشروط وانتفت الموانع، يبين هذا أن الإمام أحمد وعامة الأئمة الذين أطلقوا هذه العمومات لم يكفروا أكثر من تكلم بهذا الكلام بعينه) .
وقال: (كان أحمد رحمه الله يكفر الجهمية المنكرين لأسماء الله وصفاته، لأن مناقضة أقوالهم لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ظاهرة بينة ... لكن ما كان يكفر أعيانهم) .
رابعًا؛ أن الكفر كما يكون بالاعتقاد - بالقلب - يكون بالقول والعمل أيضا:
قال ابن تيمية رحمه الله: (الكفر عدم الإيمان بالله ورسله سواء كان معه تكذيب أو لم يكن معه تكذيب، بل شك وريب أو إعراض عن هذا كله حسدًا أو كبرًا أو اتباعًا لبعض الأهواء الصارفة عن اتباع الرسالة) .
وقال السبكي: (التكفير حكم شرعي، سببه جحد الربوبية أو الوحدانية أو الرسالة أو قول أو فعل حكم الشارع بأنه كفر، وإن لم يكن جحدًا) .
فالكفر قد يكون تكذيبًا بالقلب، وهذا الكفر قليل في الكفار - كما قال ابن القيم - لأن الله تعالى أيد رسله وأعطاهم من البراهين والآيات على صدقهم ما أقام به الحجة وأزال به المعذرة، وقد يكون الكفر قولًا باللسان وإن كان القلب مصدقًا أو غير معتقد بهذا الكفر القولي.
يقول أبو ثور: (ولو قال: المسيح هو الله وجحد أمر الإسلام، وقال: لم يعتقد قلبي على شيء من ذلك، فإنه كافر بإظهار ذلك وليس بمؤمن) .
قال تعالى: {ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم} .