[الكاتب: عبد المنعم مصطفى حليمة]
ما حكم الصلاة - الجمعة وباقي الصلوات - وراء الأئمة الذين يدعون للحاكم المرتد، فإن الأقوال قد كثرت علي في هذا الباب، وأين أصلي إن كان هذا حال جميع أو معظم الأئمة والخطباء.
وجزاكم الله خيرًا؟!
الجواب:
الحمد لله رب العالمين.
هذه مسألة قد شرق فيها الناس وغربوا بين إفراطٍ وتفريط إلا من رحم الله، ألخص جوابي عليها في النقاط التالية، سائلًا الله تعالى السداد والتوفيق فأقول:
أولًا: تخصيص الحكام وغيرهم بالدعاء لهم في خطب الجمعة ومن على المنابر، هو من البدع والأمور المحدثات، وكان أول من ألزم الناس بالدعاء لهم على المنابر هم الأمويون، تعبيرًا عن دخول الخطباء والعلماء في موالاتهم وطاعتهم،!
ثانيًا: أن الصلاة تقام خلف كل بر وفاجر، والصلاة خلف البر أفضل من الصلاة خلف الفاجر، ولكن إذا خير المرء بين أن تفوته الصلاة مع الجماعة وبين أن يصلي خلف الإمام الفاجر الفاسق، لزمه أن يصلي خلف الإمام الفاجر حتى لا تفوته الصلاة مع الجماعة.
فقد ثبت عن ابن عمر وغيره من الصحابة أنهم قد صلوا خلف الطاغية الحجاج بن يوسف الثقفي، وكذلك عبد الله بن مسعود كان يصلي خلف الوليد بن عقبة بن أبي معيط، وكان يشرب الخمر، حتى إنه صلى بهم الصبح مرةً أربعًا، ثم قال: (أزيدكم) ؟! فقال له ابن مسعود: (ما زلنا معك منذ اليوم في زيادة) !!
ولكن لا يجوز أن يبلغ به فجوره درجة الكفر البواح ثم يبقى إمامًا للمسلمين، فإن بلغ به فجوره درجة الكفر البواح، تعين عزله، وحرمت الصلاة خلفه ولا بد.
ثالثًا: فإذا عرفت ذلك؛ يجب أن تعرف أن المسألة التي توجهت بها تختلف بحسب صيغة الدعاء، وبحسب الداعي ذاته، وبحسب المدعو له من هؤلاء الحكام.
أما بحسب صيغة الدعاء: فإن كان الدعاء جاء بصيغة تفيد طلب الهداية لهذا الحاكم المرتد كأن يقول: اللهم اهده ووفقه إلى الخير ونحو ذلك، فهي صيغة غير مكفرة، وصاحبها لا يجوز أن يُشار إليه بالكفر أو الارتداد! أما إن جاء الدعاء بصيغة تفيد الدخول في موالاة وطاعة هذا الحاكم المرتد ونصرته على ما هو عليه من الباطل، فهذه صيغة مكفرة، وصاحبها يكفر على تفصيل سنبينه إن شاء الله.
أما قولنا بحسب الداعي ذاته: فالمراد إن كان هذا الداعي من ذوي العلم والجهاد والمروءة، والصدق في نصرة هذا الدين، ثم عُرف عنه شيء من ذلك، فإنه ينبغي إقالة عثرته، وتحسين الظن به ابتداءً، والتبين من السبب الذي حمله على الدعاء لهذا الحاكم أو ذاك، لعل عنده ما يبرر فعلته، أو على الأقل يصرف عنه حكم الكفر. بخلاف من لا يعرف عنه سابقة علم ولا جهاد ولا بلاء في سبيل الله، ولا صدق مع الدعوة في الشدة والرخاء، ثم هو يستشرف تملقًا الدعاء الذي يفيد الموالاة والنصرة للحاكم المرتد، فهذا وأمثاله لا يتوسع لهم في التأويل كالأول، وحكم الكفر والردة أسرع إليهم من الصنف الأول من العلماء المخلصين.
ولكي تتضح الصورة أكثر أضرب مثالًا واقعًا قد عايشناه وهو كالتالي: قد عرف الجميع عن الشيخ عبد الله عزام رحمه الله أنه كان لا يكفر حاكم باكستان الأسبق ضياء الحق، لأسباب وجيهة ومعتبرة، وبناءً على ذلك كان يخلص له في الدعاء، بخلاف بعض الأخوان والمشايخ الذين كانوا يرون كفره!
والشاهد هل يجوز أن يُرمى الشيخ عبد الله عزام رحمه الله بالكفر والردة من قبل الذين كانوا يرون كفر ضياء الحق، لكونه كان يدعو له؟!
أقول: لا، لأسباب عديدة منها تاريخ الشيخ العلمي والدعوي، ومواقفه الجهادية، التي تلزم بإقالة عثرات الشيخ، وبتوسع التأويل بحقه، بخلاف من لا يُعرف بما عرف به الشيخ من صفات أو عُرف بما يضاد ما عُرف به الشيخ من الصفات، وهذا مثال تقيس عليه.
أما قولنا بحسب المدعو له من هؤلاء الحكام: أريد أن حكام هذا الزمان الذين نعتقد كفرهم نوعان: نوع كفره بواح لا يحتمل غير ذلك بأي وجه من الأوجه، ونوع عنده من الدين ما يمكن أن يضلل به كثيرًا من الناس عن جانب الكفر الصريح المتلبس به، فالذي يدخل في موالاة ونصرة الأول في الدعاء يكفر ويقع في الردة، لقوله تعالى: {ومن يتولهم منكم فإنه منهم} .