ولهذا كان الصحيح أنه يجوز أن يقال: أنا مؤمن بلا استثناء، إذا أراد ذلك، لكن ينبغي أن يقرن كلامه، بما يبين أنه لم يرد الإيمان المطلق الكامل، ولهذا كان أحمد يكره أن يجيب على المطلق بلا استثناء).
قلت: فظهر القول الثالث، الذي هو الصحيح، وهو؛ أنه إذا قال: أنا مؤمن، فإن أراد بذلك، الإيمان المقيد، الذي لا يستلزم للكمال، جاز له ترك الاستثناء، وإن أراد المطلق، المستلزم للكمال، فعليه أن يستثنى في ذلك.
قال الخلال: أخبرني حرب بن إسماعيل، وأبو داود؛ قال أبو داود: سمعت أحمد قال: سمعت سفيان بن عيينة يقول: (إذا سئل المؤمن، أمؤمن أنت؟ لم يجبه، ويقول: سؤالك إياي بدعة، ولا شك في إيماني) ، وقال: (إن شاء الله ليس يكره، ولا يدخل الشك) ، وقد أخبرني عن أحمد أنه قال: (لا نشك في إيماننا، وأن السائل لا يشك في إيمان المسؤول) ، وهذا أبلغ، وهو إنما يجزم بأنه مقرّ مصدّقٌ بما جاء به الرسول، لا يجزم بأنه قائم بالواجب.
فعلم أن أحمد وغيره من السلف، كانوا يجزمون، ولا يشكون في وجود ما في القلب من الإيمان في هذه الحال، ويجعلون الاستثناء عائدًا إلى الإيمان المطلق المتضمن فعل المأمور - هذا ملخص كلامه في كتاب"الإيمان".
وقال في موضع آخر:(والناس لهم في الاستثناء ثلاثة أقوال؛
منهم: من يحرمه، كطائفة من الحنفية، ويقولون: من يستثنى فهو شاكُّ.
ومنهم: من يوجبه، كطائفة من أهل الحديث.
ومنهم: من يجوزه، أو يستحبه، وهذا أعدل الأقوال.
فإن الاستثناء له وجه صحيح، وتركه له وجه صحيح، فمن قال: أنا مؤمن إن شاء الله، وهو يعتقد أن الإيمان فعل جميع الواجبات، ويخاف أن لا يكون أتى بها، فقد أحسن.
ومن اعتقد؛ أن المؤمن المطلق هو الذي يستحق الجنة، فاستثنى، خوف سوء الخاتمة، فقد أصاب.
ومن استثنى - أيضًا - خوفا من تزكية نفسه أو مدحها، أو تعليقًا للأمر بمشيئة الله تعالى، فقد أحسن.
ومن جزم بما يعلمه من التصديق في ترك الاستثناء، فهو مصيب).
فتبين بما ذكرناه من الكلام الذي قدمناه؛ أن هذا الإيراد قول غير معروف عند العلماء المقتدى بهم، فضلًا عن أن يكون الفقهاء كلهم قد قالوه، وإذا كان الأمر كذلك، وظهر كلام من يعتد به، وما هو الصواب منه؛ فلا حاجة بنا إلى معرفة الأقوال المبتدعة.
المسألة الثانية:
وهي قول السائل؛ ما معنى قوله صلى الله عليه وسلم من قال: (أنا مؤمن، فهو كافر، ومن قال: أنا في الجنة، فهو في النار) ؟
فالذي وقفت عليه؛ أن هذا من كلام عمر، كما رواه الإمام أحمد، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أنه قال: (من قال؛ أنا مؤمن، فهو كافر، ومن قال؛ هو عالم، فهو جاهل، ومن قال؛ هو في الجنة، فهو في النار) .
وأنت لم تذكر له إسنادًا، ولا نسبة إلى أصل، وقد علم أنه لا يجوز لأحد أن ينسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم شيئًا بمجرد وجود سواد في بياض، وتفصيل ذلك معروف في كتب أهل العلم والحديث.
وأما مراد عمر ...
فقد قال بعض الناس: إن المراد، إذا قال أنا مؤمن - أمنًا من مكر الله وتأليًا على الله -
وقال بعضهم: أي من قال؛ أنا مؤمن بالطاغوت، فهو كافر بالله، وكذلك من قال: هو في الجنة قطعًا، تكذيبًا بحديث"الأعمال بالخواتيم".
وقيل غير ذلك من الأقوال البعيدة الضعيفة.
وأما أنا فأقول؛ الله أعلم بمراد الخليفة الراشد، ولا أعلم في ذلك شيئًا، تطمئن إليه النفوس، ولا يستحي من سئل عما لا يعلم، أن يقول؛ لا أعلم، فالله أعلم.
المسألة الرابعة:
قوله؛ هل يجوز للإنسان أن يحدث نفسه، بقول: أنا منافق؟ أنا أخشى الكفر؟ وهل هذا شك في الدين؟ أم لا؟
الجواب:
قال البخاري في صحيحه: قال ابن أبي مليكة: (أدركت ثلاثين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كلهم يخاف النفاق على نفسه، ما منهم أحد يقول: إن إيمانه، كإيمان جبرائيل، وميكائيل) .
وقال ابن القيم: (تالله لقد قطع خوف النفاق قلوب السابقين الأولين، لعلمهم بدقه وجله وتفاصيله وجمله، ساءت ظنونهم بنفوسهم، حتى خشوا أن يكونوا من جملة المنافقين) .
قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (يا حذيفة! ناشدتك الله، هل سماني لك رسول الله صلى الله عليه وسلم مع القوم؟) ، فيقول: (لا، ولا أزكي بعدك أحدًا) .