الصفحة 112 من 237

فهؤلاء مسلمون وليسوا مؤمنين [1] ، ومعهم إيمان لكن معهم أيضًا ما يخالف الإيمان من النفاق، فلم تكن تسميتهم مؤمنين بأولى من تسميتهم منافقين، لا سيما إن كانوا للكفر أقرب منهم للإيمان ...

والمقصود أنه خير المؤمنين في أعلى درجات الجنة، والمنافقون في الدرك الأسفل من النار، وإن كانوا في الدنيا مسلمين ظاهرًا تجري عليهم أحكام الإسلام الظاهر، فمن كان فيه إيمان ونفاق يسمى مسلمًا، إذ ليس هو دون المنافق المحض، وإذا كان نفاقه أغلب لم يستحق اسم الإيمان، بل اسم المنافق أحق به، فإن ما فيه بياض وسواد، وسواده أكثر هو باسم الأسود أحق منه باسم الأبيض، كما قال تعالى: (هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَانِ) (آل عمران: 166) . وأما إذا كان إيمانه أغلب ومعه نفاق يستحق به الوعيد، لم يكن أيضًا من المؤمنين الموعودين بالجنة"اهـ [2] ."

* تصنيف آخر للنفاق:

وقد أورد الإمام ابن تيمية تصنيفًا آخر للنفاق نجده جديرًا بالإيراد حيث يمس واقع كثير من الناس اليوم، يقول شيخ الإسلام:"ومعلوم أن الإيمان هو الإقرار لا مجرد التصديق، والإقرار ضمن قول القلب الذي هو التصديق، وعمل القلب الذي هو الانقياد: تصديق الرسول فيما أخبر، والانقياد له فيما أمر؛ كما أن الإقرار بالله هو: الاعتراف به، والعبادة له."

فالنفاق كثير في حق الرسول، وهو أكثر ما ذكره الله في القرآن من نفاق المنافقين في حياته، والكفر هو عدم الإيمان، سواء كان معه تكذيب أو استكبار أو إباء أو إعراض، فمن لم يحصل في قلبه التصديق والانقياد فهو كافر.

ثم هناك نفاقان: نفاق لأهل العلم والكلام، ونفاق لأهل العمل والعبادة.

فأما النفاق المحض الذي لا ريب في كفر صاحبه، فأن لا يرى وجوب تصديق الرسول فيما أخبر به، ولا وجوب طاعته فيما أمر به، وإن اعتقد مع ذلك أن الرسول عظيم القدر علمًا وعملًا، وأنه يجوز تصديقه وطاعته، لكنه يقول: إنه لا يضر اختلاف الملل إذا كان

(1) أي معهم أصل الإيمان الذي خرجوا به من الكفر إلى الإسلام، ولكن ضعف الإيمان في قلوبهم واختلاطه بشعب النفاق، تقصر بهم عن تحقيق الإيمان الواجب الذي ينجو بهم من الوعيد فلا يستحقوا الاسم المطلق للإيمان وإن كانوا مسلمين.

(2) الإيمان، ص332 - 336.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت