الصفحة 124 من 237

هذا الإكثار من فعل الصغائر عندهم يدل على عدم المبالاة بالدين، وعلى استصغار مخالفة الرب عز وجل" [1] ."

* مكفرات الذنوب:

وقد اتفق جمهور أهل السنة على أن التوبة الصحيحة مقبولة، أيًا كان الذنب، كفرًا أم كبيرة أم صغيرة، وظاهر النصوص يدل على أن من تاب إلى الله توبة نصوصًا واجتمعت شروط التوبة في حقه، فإنه يقطع بقبول الله توبته، كما يقطع بقبول إسلام الكافر إذا أسلم إسلامًا صحيحًا، وهذا قول الجمهور، وكلام ابن عبد البر يدل على أنه إجماع [2] .

كما ذهب جمهور أهل السنة إلى أن الأعمال الصحالحة تكفر الصغائر، واستدلوا ببعض النصوص، كقوله تعالى: (إِن تَجْتَنِبُوا كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلًا كَرِيمًا) (النساء: 31) . وقوله صلى الله عليه وسلم:"الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفرات لما بينهن ما اجتنبت الكبائر" (الصحيحان) .

وقد حكى ابن عطية في تفسيره في معنى هذا الحديث قولين: أحدهما عن جمهور أهل السنة، أن اجتناب الكبائر شرط لتكفير هذه الفرائض للصغائر، فإن لم تجتنب لم تكفر هذه الفرائض شيئًا بالكلية. والثاني، أنها تكفر الصغائر مطلقًا ولا تكفر الكبائر وإن وجدت، لكن يشترط التوبة من الصغائر وعدم الإصرار عليها. ومراده أنه إذا أصر عليها صارت كبيرة فلم تكفرها الأعمال [3] .

ولقد ذهب قوم من أهل الحديث وغيرهم إلى أن هذه الأعمال الصالحة تكفر الكبائر أيضًا، وممن قال بذلك ابن حزم، ولكن أطال ابن عبد البر في الرد عليه، ورده بعضهم بأنه إن كان مرادهم أن من أتى بالأعمال الصالحة من فرائض الإسلام وغيرها وهو مصرّ على الكبائر من غير ندم ولا استغفار ولا توبة، تكفر عنه الكبائر وتغفر له قطعًا، فهذا باطل قطعًا ومعلوم بطلانه بالضرورة من الدين، وهو أظهر من أن يحتاج إلى بيان.

وإن أرادوا أن من ترك الإصرار على الكبائر وحافظ عى الأعمال الصالحة والفرائض، من غير توبة ولا ندم على ما سلف منه، كفرت ذنوبه كلها بذلك، فهو محتمل لظاهر آية:

(1) السابق.

(2) جامع العلوم، ص144. وفتح المبين، ص166.

(3) جامع العلوم، ص147، 148. وفتح المبين، ص166.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت