فهرس الكتاب
(إِن تَجْتَنِبُوا كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ) (النساء: 31) أي ما سلف منكم صغيرًا كان أو كبيرًا، فالسيئات تشمل الكبائر والصغائر، وكما أن الصغائر تكفر من غير قصد ولا نية، فكذلك الكبائر، وهذا القول يمكن أن يقال في الجملة، ولكن الصحيح قول الجمهور أن الكبائر لا تكفر بدون توبة، لأن التوبة فرض على العباد، وقد قال تعالى: (وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (الحجرات: 11) وقد فسرت الصحابة والتابعون ومَن بعدهم التوبة -بعد الإقلاع عن الذنب- بالندم، والعزم على أن لا يعود [1] .
* حكم الإصرار على المعصية:
وأما عن الإصرار على المعصية فنقول: إن الإصرار معناه الثبات على الأمر ولزومه [2] . أو الإقامة على الشيء والمداومة عليه [3] . وهو هنا بمعنى الثبوت على المعاصي [4] . أي الإقامة على فعل الذنب أو المعصية مع العلم بأنها معصية دون الاستغفار أو التوبة [5] . وهو الاستمرار على المعصية وعدم الإقلاع عنها [6] والعزم بالقلب عليها [7] .
وحكم المصرّ على المعصية عند أهل السنة هو حكم مرتكب الكبيرة. يذكر ابن حجر الهيثمي في كتابه"الزواجر"أن من جملة الكبائر:"فرح العبد بالمعصية، والإصرار عليها، ونسيان الله -تعالى- والدار الآخرة، والأمن من مكر الله، والاسترسال في المعاصي"اهـ. فاقتراف المعاصي بمفرده عندهم لا يخرج من دين الله، ولا توقع المعاصي من كبائر وذنوب صاحبها في الردة إن لم يقترن بها سبب من أسباب الكفر، ولذلك يقرر الإمام الطحاوي رحمه الله -تعالى- في عقيدته:"ولا نكفر أحدًا من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله" [8] .
ولكن الإمام الطحاوي سرعان ما يعقب على ذلك بقوله: (ولا نقول: لا يضر مع الإيمان ذنب لمن عمله) وذلك لأن أهل السنة يرون أن فعل المعاصي يترتب عليه العذاب والعقاب الأخروي الذي أخبر عنه الشارع لكثير من المحرمات والمعاصي، وتوعد الله به على فعلها في كتابه وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، وأنها تؤثر على ايمان من حيث زيادته ونقصانه، لا من حيث بقاؤه وذهابه [9] .
وكذلك فإن صاحب المعصية المصر عليها يخشى عليه -عند أهل السنة- سوء العاقبة، لأن المعاصي عندهم هي بريد الكفر، والإكثار من مقارفة المعاصي قد يؤدي إلى الوقوع في الكفر والردة والعياذ بالله، فالاستغراق في المعاصي أو الإصرار عليها قد يجعلها تخبط بصاحبها وتنبت النفاق في قلبه؛ فيرون عليه ويسد منه كل منافذ الخير دونما شعور منه حتى يسقط منه إما عمل القلب فيغدو يؤول ويبرر لصاحبه كل ما يفعله حتى يوقعه في استحلال المعاصي، وإما يسقط منه قول القلب فينكر بعض ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، لتبرير مقتضيات الهوى والشهوة [10] .
قال الله تعالى: (بَلَى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) (البقرة: 81) .
وقد نقل الإمام ابن كثير في تفسيره تفسير السلف رضي الله تعالى عنهم للسيئة والخطيئة هنا بأنها: إما الكفر والشرك، وإليه ذهب ابن عباس وأبو هريرة وأبو وائل وأبو العالية ومجاهد وعكرمة والحسن وقتادة والربيع بن أنس. وإما الموجبة أو الكبيرة من الكبائر، وإليه ذهب السدى وأبي رزين والربيع بين الخيثم ورواية أخرى عن أبي العالية ومجاهد والحسن وقتادة والربيع بن أنس.
ثم علق ابن كثير بقوله:"وكل هذه الروايات متقاربة في المعنى والله أعلم".
ويذكر هنا الحديث الذي رواه الإمام أحمد حيث قال: حدثنا سليمان بن داود، حدثنا عمرو بن قتادة، عن عبد ربه، عن أبي عياض، عن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"إياكم ومحقرات الذنوب فإنهن يجتمعن على الرجل حتى يهلكنه" [11] ، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم ضرب لهم مثلًا كمثل قوم نزلوا بأرض فلاة فحضر صنيع القوم، فجعل الرجل
(1) السابق.
(2) المعجم الوجيز، ص363، مجمع اللغة العربية، بالقاهرة.
(3) مختار الصحاح، 384.
(4) تفسير الطبري، جـ4 ص91.
(5) تفسير القرطبي، جـ4 ص211. وصفوة التفاسير، جـ2 ص52.
(6) تفسير ابن كثير، جـ1 ص407.
(7) تفسير القرطبي، جـ4 ص211.
(8) الإيمان، لنعيم ياسين، ص223 وبعدها.
(9) الإيمان، لنعيم ياسين، ص123 وبعدها.
(10) السابق.
(11) رواه أحمد، وجود إسناده الحافظ العراقي. شرح السنة (14/ 339) .