فهرس الكتاب
ينطلق فيجيء بالعود والرجل يجيء بالعود حتى جمعوا سوادًا وأججوا نارًا فأنضجوا ما قذفوا فيها"اهـ [1] ."
وجاء في صفوة التفاسير: (بَلَى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً) أي بلى تمسكم النار وتخلدون فيها، كما يخلد الكافر الذي عمل الكبائر. وكذلك من اقترف السيئات (وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ) أي غمرته من جميع جوانبه وسددت عليه مسالك النجاة .. وهو من باب الاستعارة حيث شبّه الطايا بجيش من الأعداء نزل على قوم من كل جانب فأحاط به إحاطة السوار بالمعصم، واستعار لفظة الإحاطة لغلبة السيئات على الحسنات، فكأنها أحاطت بها من جميع الجهات"اهـ [2] ."
ويقول شيخ الإسلام:"وقوله تعالى: (لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ) (الحجرات: 2) لأن ذلك قد يتضمن الكفر فيقتضي الحبوط وصاحبه لا يدري، كراهية أن يحبط أو خشية أن يحبط، فنهاهم عن ذلك لأنه يفضي إلى الكفر المقتضي للحبوط."
ولا ريب أن المعصية قد تكون سببًا للكفر، كما قال بعض السلف: المعاصي بريد الكفر، فينهى عنها خشية أن تفضي إلى الكفر المحبط. كما قال تعالى: (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ) -وهي الكفر- (أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) وإبليس خالف أمر الله فصار كافرًا، وغيره أصابه عذاب أليم"اهـ [3] ."
إن مجرد فعل المعصية أو الإصرار عليها لا يدل عند أهل السنة والجماعة على نقض الشهادتين والخلود في النار مع الكفار والمرتدين إلا إذا صاحب ذلك استحلال للمعصية أو استهانة بحكمها، بالقلب أو باللسان أو بالجوارح.
يقول ابن تيمية:"إن العبد إذا فعل الذنب مع اعتقاد أن الله حرّمه عليه، واعتقاد انقياده لله فيما حرّمه وأوجبه فهذا ليس بكافر، فأما إن اعتقد أن الله لم يحرّمه أو أنه حرّمه لكن امتنع من قبول هذا التحريم وأبى أن يذعن لله وينقاد، فهو إما جاحد أو معاند. ولهذا قالوا: من عصى الله مستكبرًا كإبليس كفر بالاتفاق، ومن عصى مشتهيًا لم يكفر عند أهل"
(1) تفسير ابن كثير، جـ1 ص119.
(2) صفوة التفاسير، جـ1 ص58، 59.
(3) الإيمان الأوسط، ص36.