الصفحة 127 من 237

السنة والجماعة، وإنما يكفره الخوارج. فإن العاصي المستكبر وإن كان مصدقًا بأن الله ربه، فإن معاندته له ومحادته تنافي هذا التصديق.

وبيان هذا أن من فعل المحارم مستحلًا لها فهو كافر بالاتفاق، فإن ما آمن بالقرآن من استحل محارمه، وكذلك لو استحلها من غير فعل. والاستحلال اعتقاد أن الله لم يحرمها، وتارة بعدم اعتقاد أن الله حرمها، وهذا يكون بخلل في الإيمان بالربوبية، ولخلل في الإيمان بالرسالة، وجحدًا محضًا غير مبني على مقدمة.

وتارة يعلم أن الله حرّمها، ويعلم أن الرسول إنما حرم ما حرمه الله، ثم يمتنع عن التزام هذا التحريم، ويعاند المحرم، فهذا أشد كفرًا من قبله، وقد يكون هذا مع علمه أن من لم يلتزم هذا التحريم عاقبه الله وعذبه، ثم إن هذا الامتناع والإباء إما لخلل في اعتقاد حكمة الأمر وقدرته فيعود هذا إلى عدم التصديق بصفة من صفاته، وقد يكون مع العلم بجميع ما يصدق به تمردًا أو اتباعًا لغرض النفس، وحقيقته كفر، هذا لأنه يعترف لله ورسوله بكل ما أخبر به ويصدق بكل ما يصدق به المؤمنون، لكنه يكره ذلك ويبغضه ويسخطه لعدم موافقته لمراده ومشتهاه، ويقول: أنا لا أقر بذلك، ولا ألتزمه، وأبغض هذا الحق وأنفر عنه. فهذا نوع غير النوع الأول، وتكفير هذا معلوم بالاضطرار من دين الإسلام، والقرآن مملوء من تكفير مثل هذا النوع، بل عقوبته أشد، وفي مثله قيل:"أشد الناس عذابًا يوم القيامة عالم لم ينفعه الله بعلمه"وهو إبليس ومن سلك سبيله.

وبهذا يظهر الفرق بين العاصي، فإنه يعتقد وجوب ذلك الفعل عليه ويجب أن يفعله، لكن الشهوة والنفرة منعته من الموافقة، فقد أتى من الإيمان بالتصديق والخضوع والانقياد، وذلك قول وعمل، لكن لم يكمل العمل"اهـ [1] ."

ويقول شارح"الفقه الأكبر":"إن استحلال المعصية صغيرة أو كبيرة كفر -إذا ثبت كونها معصية بدلالة قطعية- وكذا الاستهانة بها كفر، بأن يعدها هينة سهلة، ويرتكبها من غير مبالاة بها، ويجريها مجرى المباحات في ارتكابها"اهـ [2] .

(1) الصارم المسلول، ص 521، 522

(2) شرح الفقه الأكبر، لملا علي القاري، ص126. وعبارته الأخيرة فيها نظر، فليس كل من يرتكب المعصية -من غير مبالاة، وبعدها هينة سهلة، ويجريها مجرى المباحات في ارتكابها- ليس بالضرورة أن يكون قد دخل في الكفر بذلك إلا أن يكون الشارح يقصد بذلك أنه قد وصل إلى مرحلة الاستخفاف بالدين أو الإعراض عنه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت