الصفحة 128 من 237

ويعلل صاحب"المسايرة"بأن مناط التكفير هو:"التكذيب أو الاستخفاف بالدين"اهـ [1] .

ولما كانت المعاصي عند أهل السنة بريد الكفر، فإن كثيرًا من الأئمة قد امتنعوا عن إطلاق القول بعدم تكفير أحد بذنب، خوفًا من أن يظن السامع أن الذنوب والمعاصي لا تؤثر في الإيمان بضعفه ونقضه، بل وقد تؤدي إلى سقوطه جملة بارتكاب معصية تتضمن إما الإنكار لما أمر الله به ورسوله، وإما الاستكبار عنه أو الاستخفاف والاستهانة بأمره.

وفي ذلك يقول شارح"الطحاوية":"فطائفة تقول: لا نكفر من أهل القبلة أحدًا، فننفي التكفير نفيًا عامًا! مع العلم بأن في أهل القبلة المنافقين، الذين فيهم من هو أكفر من اليهود والنصارى بالكتاب والسنة والإجماع، وفيهم من قد يظهر بعد ذلك حيث يمكنهم، وهم يتظاهورن بالشهادتين!"

وأيضًا فلا خلاف بين المسلمين أن الرجل لو أظهر إنكار الواجبات الظاهرة المتواترة، والمحرمات الظاهرة المتواترة، ونحو ذلك، فإنه يستتاب، فإن تاب وإلا قتل كافرًا مرتدًا، والنفاق والردة مظنتها البدع والفجور ...

ولهذا امتنع كثير من الأئمة عن إطلاق القول بأنا لا نكفر أحدًا بذنب، بل يقال: لا نكفرهم بكل ذنب، كما تفعله الخوارج. وفرق بين النفي العام ونفي العموم.

والواجب هو نفي العموم، مناقضة لقول الخوارج الذين يكفرون بكل ذنب .. فإنهم يقولون: نكفر المسلم بكل ذنب، أو بكل ذنب كبير. وكذلك المعتزلة الذين يقولون: يحبط إيمانه كله بالكبيرة، فلا يبقى معه شيء من الإيمان .. وبقولهم بخروجه من الإيمان أوجبوا له الخلود في النار.

إن أهل السنة متفقون كلهم على أن مرتكب الكبيرة لا يكفر كفرًا ينقل عن الملة بالكلية، كما قالت الخوارج .. ومتفقون على أنه لا يخرج من الإيمان والإسلام، ولا يدخل في الكفر، ولا يستحق الخلود مع الكافرين، كما قالت المعتزلة"اهـ [2] ."

(1) المسايرة، للكمال ابن الهمام الحنفي، ص318.

(2) شرح العقيدة الطحاوية، ص355 - 362.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت