الصفحة 129 من 237

ويقول صاحب"معارج القبول":" (ولا نكفر بالمعاصي) التي قدمنا ذكرها وأنه لا توجب كفرًا، والمراد بها الكبائر التي ليست بشرك، ولا تستلزمه ولا تنافي اعتقاد القلب ولا عمله، (مؤمنا) مقرًا بتحريمها معتقدًا له، مؤمنًا بالحدود المترتبة عليها، ولكن نقول: يفسق بفعلها، ويقام عليه الحد بارتكابها، وينقص إيمانه بقدر ما تجرأ عليه منها .."

(إلا مع استحلاله لما جنى) .. وهو أن عامل الكبيرة يكفر باستحلاله إياها، بل يكفر بمجرد اعتقاده بتحليل ما حرّم الله ورسول ولو لم يعمل به، لأنه حينئذ يكون مكذبًا بالكتاب ومكذبًا بالرسول صلى الله عليه وسلم، وذلك كفر بالكتاب والسنة والإجماع، فمن جحد أمرًا مجمعًا عليه معلومًا من الدين بالضرورة فلا شك في كفره"اهـ [1] ."

وإذا علمنا أن الذنوب والمعاصي عند أهل السنة والجماعة تؤثر في الإيمان من حيث زيادته ونقصه لا من حيث بقاؤه وذهابه- إلا أن يصاحب ذلك ما يقدح في أصله من استحلال لهذه المعاصي، وأن هذا الاستحلال قد يكون بسقوط قول القلب والتكذيب جحودًا أو عنادًا، وقد يكون بسقوط عمل القلب والاستكبار استخفافًا أو استهزاء، أو غير ذلك من أسباب -فما هو حكم عصاة الموحدين ومآلهم في الآخرة؟ وهل كل من مات على معصية يدخل النار بها؟ وإذا دخلها فكيف يخرج منه؟ وما هي عقيدة أهل السنة والجماعة في ذلك؟

* الأسباب التي تسقط العقوبة عن عصاة الموحدين:

لقد اتفق أهل السنة على أن هناك أبوابًا قد فتحها الله لعباده الموحدين رحمة بهم وتخليصًا لهم مما يقعون فيه من المعاصي، وإسقاطًا للعقوبة عنهم، منّا وتفضلًا وكرمًا منه سبحانه وتعالى، وقد استقرأ بعض الأئمة هذه الأسباب التي تسقط العقوبة عن عصاة الموحدين، من القرآن والسنة وكلام السلف الصالح -رضي الله تعالى عنهم- فوجدوها تدور حول عشرة أسباب [2] :

السبب الأول: التوبة. وهذا متفق عليه بين المسلمين، وليس شيء يكون سببًا لغفران جميع الذنوب إلا التوبة. والتوبة التي تسقط العقوبة هي التوبة النصوح، وهي الخصالة النابعة من القلب، لا المقتصرة على النطق باللسان، وهي ما يصاحبها الندم على ما فات من المعاصي، والعزم على عدم العودة إليها، وعمل الصالحات.

(1) معارج القبول، جـ2 ص357، 358.

(2) راجع: الإيمان الأوسط، ص29 وبعدها. وراجع: شرح الطحاوية، ص302 وبعدها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت