الصفحة 132 من 237

صلى الله عليه وسلم، وفي المقام المحمود الذي وعده الله عز وجل، كما قال تعالى: (عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا) (الإسراء: 79) . وذلك أن الناس إذا ضاق بهم الموقف وطال المقام واشتد القلق وألجمهم العرق التمسوا الشفاعة في أن يفصل الله بينهم، فيأتون آدم ثم نوحًا ثم إبراهيم ثم موسى ثم عيسى ابن مريم، وكلهم يقول: نفسي نفسي. إلى أن ينتهوا إلى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، فيقول: أنا لها. كما جاء مفصلًا في الصحيحين وغيرهما.

الثانية: الشفاعة في استفتاح باب الجنة، وأول من سيفتح بابها نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وأول من يدخلها من الأمم أمته.

الثالثة: الشفاعة في أقوام قد أمر بهم إلى النار أن لا يدخلوها.

الرابعة: في من دخلها من أهل التوحيد أن يخرجوا منها، فيخرجون قد امتحشوا وصاروا فحمًا، فيطرحون في نهر الحياة فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل.

الخامسة: الشفاعة في رفع درجات أقوام من أهل الجنة.

وهذه الثلاث ليست خاصة بنبينا صلى الله عليه وسلم، ولكنه هو المقدم فيها، ثم بعده الأنبياء، والملائكة والأولياء والأفراط يشفعون، ثم يخرج الله تعالى برحمته من النار أقوامًا بدون شفاعة لا يحصيهم إلا الله، فيدخلهم الجنة.

السادسة: الشفاعة في تخفيف عذاب بعض الكفار، وهذه خاصة لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم في عمه أبي طالب كما في مسلم وغيره"اهـ [1] ."

وأحاديث الشفاعة الصحيحة الثابتة التي تقرر أن النبي صلى الله عليه وسلم وغيره ممن يأذن الله لهم بالشفاعة يوم القيامة- أتى أقوام مصرين على المعاصي عالمين بتحريمها معتقدين مؤمنين بما جاء فيها من الوعيد- ليخرجوا من دخل النار من أهل التوحيد إلى الجنة بفضل أرحم الراحمين، فهذه الشفاعة حتى يؤمن بها أهل السنة والجماعة، كما آمن بها الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، ودرج على الإيمان بذلك التابعون لهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه، وهي حجة من جانب على من أنكرها من الخوارج والمعتزلة بزعمهم أن من دخل النار لا يخرج عنها أبدًا، ومن جانب آخر على من أنكر دخول النار إطلاقًا على عصاة الموحدين -أو توقف في ذلك- من غلاة المرجئة.

(1) أعلام السنة المنشورة، ص58.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت