الصفحة 169 من 237

ويقول:"المرجئة المنتسبون إلى أبي حنيفة وأصحابه، يزعمون أن الإيمان المعرفة بالله وبالرسول، والإقرار بما جاء من عند الله في الجملة دون التفسير ... والمقصود هنا، أن عامة فرق الأمة تدخل ما هو من أعمال القلوب، حتى عامة فرق المرجئة تقول بذلك"اهـ [1] .

وهكذا يتقرر عندنا -من النقول السابقة وكثير غيرها- أن دخول عمل القلب عند الحنفية في مسمى الإيمان يعتبر عندهم أمرًا مبدئيًا وقضية مفروغًا منها، سواء أدخلوه تحت اسم التصديق، باعتبار تصديق عمل القلب لقول القلب، أم تحت اسم الإقرار باعتبار دخول الالتزام في معنى الإقرار، ويكون التعبير عن الإيمان عندهم بأنه:"التصديق بالجنان والإقرار باللسان"مشتملًا على قول القلب: بمعنى المعرفة والعلم والتصديق، وعمل القلب: بمعنى الالتزام والخضوع والانقياد، وقول اللسان: بمعنى التلفظ بالشهادتين أو ما يقوم مقامها.

والتعبير عن الإيمان بالتصديق ليس تعبيرًا شاذاّ ولا غربيًا إذا فهم منه دخول عنصر الانقياد والإذعان والاستسلام في مسماه -سواء على أساس أنه جزء من مسماه أو لازمًا له لا يصح إلا به- وقد استخدم كثير من الأئمة ذلك التعبير إذا كان مفهومًا على وجهه الصحيح.

يقول ابن القيم:"ونحن نقول: الإيمان هو التصديق، ولكن ليس التصديق مجرد اعتقاد صدق المخبر دون الانقياد له، ولو كان مجرد اعتقاد التصديق إيمانًا لكان إبليس وفرعون وقومه وقوم صالح واليهود الذين عرفوا أن محمدًا رسول الله كما يعرفون أبناءهم مؤمنين مصدقين ... فالتصديق إنما يتم بأمرين: أحدهما، اعتقاد الصدق. والثاني: محبة القلب وانقياده"اهـ [2] .

ويقول في موضع آخر:"ويلزم من عدم طاعته وانقياده عدم التصديق المستلزم للطاعة وهو حقيقة الإيمان، فإن الإيمان ليس مجرد التصديق -كما تقدم بيانه- وإنما هو التصديق المستلزم للطاعة والانقياد، وهكذا الهدى ليس هو مجرد معرفة الحق وتبينه، بل هو معرفته المستلزمة لاتباعه والعمل بموجبه، وإن سمي الأول هدى فليس هو الهدى التام المستلزم"

(1) الإيمان الأوسط، ص85 - 97.

(2) الصلاة، لابن القيم، ص19، 20.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت